بني يزجن تحذرك وتستقبلك..
بني يزجن تحذرك قبل أن تدخل إليها. التدخين ممنوع في شوارعها وكذلك التصوير ولبس الملابس القصيرة. الصور التي التقطناها كانت خفية.. سمحوا لنا بها بعد أن علموا بأننا نمثل مجلة مسلمة عربية.. تظهر فيها المرأة بالمصادفة غير المقصودة لأن من المحرم قطعيا تصوير النساء.
في المتحف الصغير الذي أنشأته المدينة نجد صور الحياة الماضية.. كيف استمدوا بقاءهم وإصرارهم من واقع الشظف الذي يعيشون في وسطه. شظف الصحراء حيث لا يهدأ صراع البقاء أبدا. الشوارع نظيفة لدرجة كبيرة. لا يوجد متسول واحد. إنها مدينة الثقافة في الوادي كله. فلا يوجد فيها هذا المتحف فقط. ولكن هناك العديد من المكتبات العامة. مكتبات صغيرة في غرف ضيقة لا تحتوي على أكثر من منضدة وبضعة مقاعد، مليئة بكتب التراث وبعض الكتب المعاصرة. قابلنا فيها شاعر شاب تلا علينا قصيدة عمودية عصماء في سب الشعر الحديث.. وقفنا أمام منزل مفدى زكريا المغلق. كانت الأسرة تستعد هي أيضا لترميمه وتحويل مكتبته الشخصية إلى مكتبة عامة. مفدى زكريا هو شاعر الثورة الجزائرية وهو مؤلف نشيدها الوطني الذي لا يزال يتردد حتى الآن. وله في المكتبة العربية أكثر من 25 كتابا.. مات غريبا في المنفى ودفن في بني يزجن التي ظل يحن إليها دائما.
كان سوق المغرب منعقدا في وسط البلد. سوق لالا عائشة.. المرأة التي تأخرت ذات يوم عن موعد الصلاة فحفرت بئرا وهبتها للجميع. وسمي السوق باسمها حتى هذه اللحظة. أعضاء مجلس الغرابة جالسون في أطراف السوق. يرتدون الثياب البيضاء يراقبون حركة البيع والأسعار..
الرحيل الطويل..
إن اسم "مزاب" هو تحريف بربري لاسم مصعب.. الجد الأول لتلك القبيلة من البربر. مصعب ابن بادين، الذي قاد عشيرته للسكنى في هذا الوادي. والبربر هم أبناء بربر بن تملا بن مازيغ. وهم يسمون أيضا الأمازيغ نسبة إلى هذا الجد. الأساطير تحيط بنشأتهم شأنهم في ذلك شأن بقية الشعوب القديمة. يقولون إن النجوم قد هبطت من السماء وغاصت في الرمال ومن أطرافها جاءت قبائل البربر. ولكن الأساطير الأكثر واقعية تقول إن جدهم هو حام ابن نوح عليه السلام وأنهم كانوا يعيشون في الشام ولكن الخلاف وقع بينهم وبين أبناء عمومتهم في فلسطين ويبدو أنهم تلقوا هزيمة قاسية اضطروا على أثرها للنزوح غربا فعبروا مصر واستقروا في الصحراء الكبرى وخلال هذه الرحلة حملوا معهم إلههم الشرقي القديم "أمون". نفس الإله الذي كان يدين به المصريون القدماء. لقد اختاروا الصحراء موطنا لهم. واكتسبوا جزءا من صلابتها. عرفوا مسارات النجم. وآمنوا بالأسرار الخفية داخل المغارات. واكتشفوا بأحاسيسهم الغامضة فوران الينابيع تحت الرمل الجاف. هجروا ذاكرة الخصب القديمة، وصنعوا رموزا جديدة، النخلة المقدسة، والبئر التي تنقذهم، ودوامات الرمل التي يثيرها مرور جماعات الجن، وأرواح الأسلاف التي تسكن المغارات. عاشوا على الرعي لذلك لم يكفوا عن الرحيل بحثا عن الكلأ والماء. أصبحوا جماعات بالغة الخصوصية، لا يستطيعون المراهنة على مكان واحد.. أو قدر واحد.
ولكن بني مصعب اختاروا الاستقرار أخيرا وسط شبكة الجبال المتداخلة. اختاروا أن يطوعوا الأرض.. أن يحفروا الآبار بدلا من أن يعثروا عليها بالمصادفة، وأن يجمعوا مياه الأمطار، ويستبدلوا ببيوت الشعر بيوتا من الحجر، وأن يحولوا النخلة الواحدة إلى بساتين من النخيل، إنه قانون الإرادة الإنسانية الذي ما زال سائدا في مدينة العطف كان لنا موعد مع أقطاب مجلس العزابة حيث نشاهد نشاطا آخر لهمم وذلك في مجال التعليم الحر. ولكن كان علينا أن نسأل عن هذا المجلس الذي يتردد اسمه في كل مكان نذهب إليه.. لقد تضاءل الحلم.. وبعد أن كانت هناك دولة أصبح هناك واد ضيق. لم يعد هناك مجال لإقامة خليفة أو أمير. وفي وسط هذه العزلة كان لا بد من وجود من يحكم، لذلك فقد حكم المسجد هذا المجتمع منذ القرن السادس الهجري.
هكذا بدأ تكون حلقة العزابة - أي الذين غربوا عن الدنيا بما فيها من أطماع شخصية ووهبوا أنفسهم لخدمة الآخرين-. إنها حلقة مكونة من اثنى عشر شخصا: إمام المسجد والمؤذن واثنين وكيلين على الماء، وتتوزع وسط الباقيين بقية المهام الاجتماعية والدينية. إنهم يحتلون مكانة الإمام الأعظم، ويختارون من بين الأصلح والأكثر ورعا من العشيرة. ويجب أن يكون صاحب مهنة يتكسب منها حتى تكتسب أحكامه نوعا من النزاهة والتعفف.
المرأة.. الحبل السري للوطن..
والمرأة برغم أنها خفية لا تظهر إلا ملتفة في عباءة بيضاء وتعبر الطريق مسرعة كأنها تتمنى ألا توجد. مع ذلك فهي تمثل العصب الأساسي للحياة في مزاب. ولولا المشقة التي تحملتها ما استمرت الحياة. إن لمجلس العزابة الرجالي مجلسا آخر موازيا له ومكوناً من النساء ليهتم بشئون المرأة في الحياة والموت. وتستطيع أن تحس بوجود المرأة القوي والفعال داخل البيت المزابي. فهي لا تكتفي بتربية الأطفال ورعاية المنزل. ولكن أصابعها لا تكف عن العمل. إنها تنسج الأبسطة والسجاجيد. والبساط أو الزربية التي تنسجها ليست شيئا عفويا.. وكأنها رسالة مليئة بالرموز التي يمكن قراءتها تكتبها أم لابنتها. وبرغم أن المزابية هم شعب رحال.. وتجار مهرة.. وكثيرو السفر سعيا وراء الرزق فإن مجلس الغرابة أصدر قرارا يمنع فيه أي مزابي من اصطحاب زوجته وأولاده إلى الخارج. لأن بقاء الزوجة داخل الوادي يجعل الرجل دائما مرتبطا بوطنه يحن إليه ويعود كلما أتيحت له الفرصة ليوظف أمواله في العقار والزراعة أما إذا اصطحب زوجته فسوف تروق له الحياة ويقل شوقه للعودة. لقد أصبحت المرأة هي رباط الوطن وحبله السري الخفي. وتمتد سلطة مجلس العزابة للمرأة المطلقة والأرملة وللأطفال اليتامى. إنه يوكل بهم دائما من يرعاهم. وهناك مال مرصود دائما لهذه الأغراض.
ثقافة النخلة والبئر..
"يقول الرجل للنخلة: هل تريدين أن أرويك اليوم؟ تقول النخلة: لا.. يقول لها: هل تريدين أن أشذب سعفك اليوم؟ تقول النخلة: لا. يقول لها: هل تريدين أن أسوي أليافك اليوم؟ تقول النخلة: لا.. يقول لها: ماذا تريدين إذن؟ تقول النخلة: أن تزورني مرة في اليوم".
خبرة الصحراء تعلن عن نفسها في عدد من الحكايات والمؤثرات. خبرة ليست مكتوبة ولكنها محفورة داخل أغوار النفس. قصص متداولة حول مقاومة الفيضانات وحفر الآبار ومواجهة عواصف الرمل وغارات البدو. المجاعات والأوبئة وأيام الجفاف. تراث من التحدي واكتشاف الذات أمام طبيعة من السهل استثارتها ومن الصعب التغلب عليها. النخلة هي الصديقة الأولى وسط صحراء واسعة ومعادية. هي التي تربط ساكنها بالمكان وتعطيه الأمل في مواصلة الحياة. في كل نواة يوجد خاتم سليمان. لأن سليمان هو أول من دعا لها بالبركة وسماها "عمتنا" لذا فإن قطع النخل محرم لأي سبب من الأسباب. والثقافة المبنية حول النخلة بالغة العراقة. عمرها من عمر النخلة الذي يبلغ ألف عام. وعندما تنقل فسيلة نخلة من جوار أمها فإن ذلك يتم وسط طقوس خاصة تردد فيها الأدعية ويتم الفصل بينهما من مكان معين كأنها حبل سري. ولادة حقيقية بكل ما فيها من طقوس الميلاد.
البئر والنخلة قرينان، فالنخلة حين تشرع سعفها تدل على المكان الخفي للبئر. فجذورها الممتدة تشي بالماء المخبوء. وعندما تحفر البئر توهب لها النخلة. إن ثمرها يباع، من حصيلته تتم صيانة البئر والمحافظة عليها.
وقصص حفر الآبار في بني مزاب هي ملاحم حقيقية، قام بها أناس لا ينتمون إلى الواقع كثيراً. لقد قابلت حفيد أحد هؤلاء الحفارين. وحكى لي كثيرا عن هؤلاء الرجال الذين كانوا يهبطون وسط الصخور على عمق 70 متراً ثم تتقطع بهم الحبال أو تشتعل فتائل البارود رغما عنهم فيطفئونها بأجسادهم أو أن تنهال عليهم الأحجار والرمال. لقد دفعوا من حياتهم ثمن الحياة لهذا الوادي الشحيح المياه وحفروا بوسائلهم البدائية أكثر من ثلاثة آلاف بئر يتجاوز عمق الكثير منها 80 مترا. زرعوا ما يزيد على المائتي ألف نخلة وتحتها البقول والفواكه وحولوا الرقعة الصغيرة إلى واحات حقيقية في وجه الريح الموسمية المحملة بالرمال.
المطر هو المشكلة الحقيقية وربما الأزلية لأهالي الوادي. ومهما رأوا من سحب فإنهم يظلون دائما على حافة الأمل واليأس حتى تسقط أولى القطرات. فقد تتعاقب السنون دون قطرة واحدة من المطر. وقد يهطل كالطوفان فتتجمع السيول الكاسحة على رءوس الوديان. من أجل ذلك وضعوا نظاما دقيقا للري مازال قائما حتى الآن. بنوا السدود على ارتفاعات محسوبة بدقة لحجز السيول وإعطاء التربة الفرصة حتى تتشربها وتزيد من منسوب المياه الجوفية، وحفروا القنوات الطويلة الغائرة تحت الأرض التي تتفرع حتى تحمل المياه إلى كل البساتين المختلفة. نظام يشبه الأفلاج في سلطنة عمان ولكنه أكثر تعقيداً. وتوزيع المياه يخضع أيضا لقوانين مجلس الغرابة. فهم يحصون عدد النخل في كل بستان ويسمحون بصنع فتحة يدخل منها الماء متناسبة مع هذا العدد تسد بواسطة مجرى له حجم معين. ومن المحظور التصرف في الفتحة أو حجم الحجر بأي حال من الأحوال دون الرجوع إلى المجلس. ومن يأخذ أكثر من حقه من الماء يعاقب معاقبة السارق. يغرم وقد ينفى عن الوادي بأكمله.
-بتصرف-
منقول من مجلة العربي العدد 445. محمد المنسي قنديل
المصدر: موقع آت مزاب
شاركنا بتعليقك