إسهامات

دراسة العلاقة بين وادي مزاب والحكم العثماني بالجزائر تقتضي الإجابة عن سؤال رئيسي يخترق كل هذا الموضوع وهو: كيف كانت العلاقة بين مركز يسعى إلى تكوين دولة -إيالة واضحة المعالم السياسة والجغرافية- ونفوذ محلي في وادي مزاب يقوم على حياة جماعوية متينة ومتميزة على أساس الانتماء إلى المذهب الإباضي؟ هل كانت هنالك من طرف العثمانيين بالجزائر سياسة خاصة اتجاه هذه الحياة الجماعية المحلية شبه المستقلة؟ وما هو دور المزابيين "البرانية" المتواجدين في مدينة الجزائر في هذه السياسة؟.

من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة، يمكننا معرفة عمق العلاقة بين الجانبين، وهل كانت تبعية وادي مزاب للعثمانيين في الجزائر مجرد تبعية إسمية رمزية فحسب؟ أم أنها تعدت ذلك إلى علاقة استراتيجية؟ كما أنه سيصبح ممكنا التمييز بين بني مزاب في الشمال من جهة، ووادي مزاب الذي كان اتصاله محدودا بمركز الحكم.

المزابيون والعثمانيون بعاصمة الإيالة

ذكرت العديد من المصادر والدراسات أنه توجد اتفاقيات مكتوبة بين مزاب والسلطة المركزية، إلا أنها لم تورد ولو جزءا من مضمونها أو مكان الاطلاع عليها! وهي ربما -كما سيأتي- قد تكون عبارة عن تقييدات رسمية للامتيازات التي منحها العثمانيون لبني مزاب مقابل بعض الخدمات الهامة التي قدموها إليهم، وهذه الوثائق من شأنها أن تبين مدى متانة العلاقة بين الطرفين، وهذا من شأنه أن يميط اللثام عن جوانب من العلاقة بين العثمانيين والأهالي، هذه العلاقة التي لايزال النقاش محتدما حولها بين المؤرخين الجزائريين.

حسب الشواهد التاريخية فإن العلاقة بين الطرفين كانت قد بدأت من تونس وتحديدا من جزيرة جربة، وذلك بين المزابيين الذين كانوا يرتادونها والإخوة بربروس، وذلك حين أغار الإسبان على الجزيرة سنة 1510م، حيث شارك بنو مزاب بقيادة أحد أعيانهم وهو الشيخ بحيو بن موسی، قادما وفرقته من مدينة الجزائر -على الأرجح- حيث شاركوا في مواجهات حاسمة، وصف في منظومته هولها ومجرياتها.

على كلّ، وعند احتلال الإسبان لكدية الصابون بمرتفعات من الجزائر، قدمت جماعة المزابيين إلى خير الدين بقيادة الشيخ بحيو بن موسی، وقاموا بالهجوم على معسكر الإسبان تزامنا مع الهجوم البحري الذي تم شنه على الجزر المحتلة المقابلة لمدينة الجزائر. تقول الرواية بأن المزابيين المهاجمين لحصن الإسبان، أخفوا الأسلحة، وأوهموا العدو بأنهم يشيعون جنازة، فاقتربوا منهم واخترقوهم. يذكر عیسی بن محمد بن عيسى النوري هذه الرواية، ويقول أيضا: "ما يرويه التاريخ المتواتر أبا عن جد وما ذكره مؤرخو ذلك العصر ونصوص المخطوطات فيه تفصيل لأهم ما جرى في هذه الواقعة بحيث لا يستشف من ورائه شك".

كما شارك المزابيون طوال تواجد العثمانيين بالجزائر في الدفاع عن السواحل الجزائرية ضد حملات الغزو الأوروبية المختلفة، لاسيما الإسبانية، وهو ما وصفته بعض المصادر بقولها: "الخدمات الجليلة" المقدمة من طرف المزابيين كما سيأتي عند الحديث عن المكانة الخاصة التي كان المزابيون يحظون بها لدى حكام إيالة الجزائر. ولعل هذه الخدمات هي التي سمحت للمزابيين بالحصول على امتيازات اقتصادية بالخصوص.

من هذه الحملات الهامة، حملة الإمبراطور الإسباني "شرلكان" سنة 1541م، والتي ترك على إثرها حامية عسكرية في برج بناه على إحدى المرتفعات المحيطة بالمدينة، ومنها كانت ترميها بالقنابل. تحتفظ الذاكرة الشعبية للمزابيين بقصة ما قام به أجدادهم بهذه المناسبة و"تخليص مدينة الجزائر من خطر الإسبان"، وقد أورد رواية الحادثة كاملة الأستاذ والباحث اللغوي الفرنسي أوغست مولیراس (MOULIERAS Auguste) في دراسته التي سبقت الإشارة إليها، وفحواها أنه تقدمت جماعة المزابيين إلى الداي بطلب منه، واستعدت لمهاجمة الحامية الإسبانية، وبالمقابل تعهد بمكافأة المزابيين بمنحهم احتكار "الحمامات، الطواحين، المجازر وبيع الخضار" بالإضافة إلى تعهده بمنحهم وبعقود مكتوبة أملاكا هامة بمدينة الجزائر.

وحسب نفس الرواية الشفوية، فقد خادع المزابيون الإسبان بالتستر في أثواب نساء ضمن وفد رفع علم الاستسلام واتجه إلى الحصن، ولما فتح لهم، دخل هؤلاء المتنكرون بأسلحتهم التي كانت مخفية، وتمكنوا من قتل كل من كان داخل الحصن. وعند حديثه عن المزابيين، ذكر "بفاير سیمون" المقابل الذي نالوه إزاء خدمتهم، حيث قال: "أما في مدينة الجزائر نفسها فإن لهم، مكافأة لهم على هجومهم على قلعة الإمبراطور وقتلهم للحامية التي وضعها شارل الخامس فيها، امتيازات هامة".

وحسبما يبدو فإن الامتيازات هذه كانت اقتصادية بحتة، حيث تمثلت في إعطائهم احتكار بعض المهن والمعاملات، حيث يذكر بيليسييه (PELLISSIER) أن الامتيازات التي حصل عليها المزابيون تمثلت في "احتكار حمّامات وطواحين مدينة الجزائر". ويذكر استرازي (ESTERHAY) إضافة إلى تحديده عدد المزابيين المشاركين في الهجوم على حصن الإسبان بأكثر من ثمانمائة، أن هذا "الاحتكار" منح لبني مزاب "في مختلف مدن التل ماعدا تلمسان"، طبعا لأن سكان هذه المدينة متفوقون في التجارة. ويرجح أن ما حصل عليه المزابيون من امتيازات كان فعلا عن طريق "معاهدات مكتوبة" مثلما يذكره أيضا القنصل الأمريكي بالجزائر فيما بين (1824-1816) السید ویلیام شالر: "امتيازاتهم وتجارتهم كانت محمية بعقود مكتوبة من الإيالة".

وقد استمر المزابيون على ولائهم لحكم الإيالة إلى غاية الهجوم الفرنسي على مدينة الجزائر سنة 1830م، فعند حديثه عن تعداد الجيش الجزائري المدافع عن المدينة، يذكر بفایر سیمون ما يلي: "وأمين المزابيين قدم مع حوالي أربعة آلاف، وبذلك أصبح الجيش الجزائري بإضافة حرس الأغا أفندي وسكان الجزائر الذين تواصلوا إلى المعسكر دفعات كبيرة يضم خمسين ألف رجل على الأقل".

بعد هذا العرض للمكانة الاستراتيجية لبني مزاب لدى العثمانيين بالجزائر، يطرح التساؤل التالي: هل كان بنو مزاب في مدينة الجزائر ممثلين عن مجلس وادي مزاب لدى حكام الإيالة أم لا؟ ذلك أنه طالما ساد الاعتقاد لدى المهتمين بتاريخ وادي مزاب الحدیث، أن المنطقة كانت على نفس العلاقة الوثيقة التي كانت للمزابيين التجار في الشمال مع العثمانيين. وسبب هذا الاعتقاد مرده أساسا نقص المصادر عن هذه الفترة التاريخية بوادي مزاب، مما قد يدفع الدارس إلى إسقاط كل ما يتعلق ببني مزاب في الشمال على وادي مزاب في الصحراء! مثل الاعتقاد بأن الضريبة التي كان التجار في الشمال يدفعونها للإيالة كانت تدفع باسم منطقة وادي مزاب. لكن الواقع أن بني مزاب كغيرهم من البرانية كانوا يدفعون ضرائب عن تجارتهم وثرواتهم "الشخصية" في الجزائر أو في غيرها من مدن الشمال، ولم تكن أبدا ضرائب عن "وادي مزاب" الذي كانت له تجارته ونظمه الخاصة به.

-بتصرف-

المصدر: كتاب النظم والقوانين العرفية بوادي مزاب في الفترة الحديثة، بالحاج بن باحمد ناصر، ص141-146.

شاركنا بتعليقك