إسهامات

عاشت بلاد مزاب في الظلم والخوف والاضطراب في فترة ما بين 1830 الى 1882 حين هدأت سورة الثورات المسلحة المتعاقبة ضد الاحتلال وخفت وطأتها نوعا ما لأنه لم تكد تهدأ رقعة من أرض الوطن عن شبوب نار المقاومة بل استمرت إلى ما بعد نهاية تلك الفترة التي تعتبرها فرنسا آخر مراحل المقاومة..

وكان من الطبيعي أن تخمد تلك الثورات لأنها انبثقت من إرادات وقيادات شخصية واقليمية منسوبة إلى شيخ الطريقة الفلانية أو زعامة فلان لا من إرادة وقيادة جماعية متحدة الغاية متماسكة الأجزاء.

لما تدهورت قوة الأمير عبد القادر مدينة 1843 شرع بيجو في تنفيذ خطة شخصية له تقوم على مبدأ إخضاع جميع سكان الجزائر لسلطة فرنسا حينئذ اشتدت معارضة البرلمان فوجه بيجو خطابا إلى النواب يقول في فقرات منه:

..."ستقولون لقد قهرنا النمسا في إيطاليا بثلاثين ألف جندي وأخذنا مصر بمثل ذلك العدد ولكن المسألة ها هنا تختلف فعلينا في الجزائر أن نخضع قبيلة قبيلة. ولا يمكننا أن نترك بلاد القبائل نعم إن أهلها لا يهاجموننا وإنما يدافعون بقوة عن ديارهم إذا هوجمت ولكن كيف يمكن أن نترك أهل القبائل وشأنهم بينما نطلب إلى جيرانهم أن يؤدوا لنا الضريبة"...

فرأى "بیجو" وقد منحته الحكومة إمكانيات هائلة أن الفرصة مواتية لتسليط الجزائريين ضد بعضهم وتجنيد فرق كبيرة من القوم، فرمى بهم في جبال جرجرة وأطراف الصحراء.

فتعاقبت على وادي مزاب في هذه الفترة الطويلة أحداث جسيمة وقد أدركت فرنسا تمام الادراك مدى مشاركة الميزابيين في مقاومة الاحتلال في الشمال فحملها ذلك على أن تأخذ منهم رهائن خوفا من الثورة سنة 1950، وحمل الكومندان ديبري بالأغواط على أن يبعث إلى الماريشال راندون برسالة يقول فيها: "لا يمكن أن تنتهي الثورة في الجزائر إلا بعد إخضاع ميزاب".

ومن تلك الحوادث أنه لما كان واد مزاب ملجأ وملاذا للثائرين على فرنسا وفتح الميزابيون أسواقهم أمامهم للتزود بالأقوات والتموين بالعتاد والاسلحة والبارود كما كانوا يمدونهم بالرجال والإمكانيات في مقاومة الاحتلال الفرنسي أدى إلى تهديدات فرنسا وإلى إصدار قرار الالحاق الغير القانوني لمنطقة ميزاب، فاحتلتها عسكريا سنة 1882 بتنصيب حامية بها وحاكم عسكري بدعوى فتح الاسواق للثوار وتموينهم بالسلاح ضد فرنسا ناكثين بذلك ما تضمنته معاهدة هذه الحماية.

ومنها قدوم الكومندان مارغريت في سنة 1857 على رأس كتيبة من جنده مارا بغرداية إلى وارجلان، فأوصد سكان مدينة غرداية أبواب المدينة في وجهه فأمر الكومندان جيشه بتحطيمها بالفؤوس، فدخل المدينة ومر الجند بها والحراب على أفواه البنادق: (Les baillonnettes au canon).

ضاربين الطبول باعثين بذلك الرعب في قلوب الأهالي وصدحت الموسيقى الفرنسية لأول مرة فيها وشاهد السكان منظر الجند الرهيب.

فأعيد صنع الباب من الخشب، ولذلك سمي بالباب الجديد إلى يومنا هذا إذ منه دخل الكومندان وجيشه بعد أن حطموه.

ومنها ما قام به إمیل ریکو باش ترجمان الفرنسي حين كان في الأغواط في أبريل سنة 1883 من حمل باشاغا الأغواط الشيخ علي بن أحمد على أن يطلب من الوالي العام أن يوليه منطقة مزاب فأغراه بذلك وأشار عليه أن يكتب كتابا إلى الجنرال دیبراي يرغبه أن يسعى له في هذه التولية لدى الوالي العام.

فأخذت هذه الإشارة من نفس الباشاغا مأخذا عظيما فاسرع في تلهف وتهافت فكتب كتابا إلى الجنرال ديبراي وكتابا إلى جنرال ديفريون لوزان وضمن الكتابين رغبته الشديدة في توليته وادي مزاب راجيا منهما بإلحاح أن يسعيا له في ذلك ويحققا رغبته لدى الوالي العام ولو أدى ذلك إلى أن يحضر بنفسه لهذه المهمة مع الحكام المعنيين ولكن هذا العبد الذليل لم يجن من وراء مساعيه وأطماعه إلا الخيبة والحرمان لعلم ساداته الحكام بالوضع في مزاب.

ومن الحماقة والبلاهة بمكان أن يتجرأ عبد مكبل في أغلال العبودية والمهانة على أن يسعى في التسلط على شعب يتمتع بحريته وسيادته وحكمه الداخلي في وقت لم تزل فيه معارك مقاومة العدو المحتل تدور رحاها لم يخب لها أوار في نفوس الأحرار الجزائريين.

المصدر: كتاب نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية، حمو محمد عيسى النوري، صفحة 303-304.

شاركنا بتعليقك