إسهامات

يبدو الحديث عن التسويف ذو شجون لكثيرين، فمن منا لم يؤجل في وقت أو موقف ما عمل اليوم إلى الغد ؟

التسويف هو أن تؤكد لنفسك أنك «سوف» تفعل كذا لاحقا، لكنك لا تفعل. وهناك طرق كلاسيكية تكلمت عنها كتب الإدارة لتساعدك على هزيمة التسويف، كأن تقسم هدفك لأجزاء صغيرة يسهل إنجازها، وتنظم وقتك جيدا لتمنح وقتا مناسبا لكل خطوة، وتستريح كل فترة، وتكافئ نفسك على كل خطوة....إلخ. لكن دعنا نكن صرحاء، كثيرا ما تكون لديك خطة رائعة مكتوبة بعناية لإنجاز شيء ما، لكنك ببساطة لا تقوم بها، لأنه عندما يأتي وقت التنفيذ لا تجد لديك الحماس الكافي، أو تشعر أن هناك مقاومة داخلية تمنعك من البدء!

ألا يحدث هذا فعلا ؟

فما العمل في هذه الحالة ؟

وجد علماء النفس مؤخرا أن أسباب التسويف ليست فقط العجز عن إدارة الوقت وترتيب الأولويات، ولكن لسبب سيكولوجي. لذا ينبغي التعامل مع الأمر من جذوره النفسية لا قشوره ومظاهره فقط. لكي نفعل هذا، تعالوا نتعرف على الآلية التي يعمل بها التأجيل في عقولنا.

آلية عمل التسويف:

انظر للشيء الذي تؤجله.. وقل لي هل هو ممتع ؟

يمكنك بسهولك ملاحظة أننا نؤجل الأشياء غير الممتعة أو غير المسلية، لأنها لو كانت كذلك لما قمنا بتأجيلها أصلا. نحن نؤجل المهام المزعجة أو المملة التي نعتقد أنها تثير فينا شعورا سلبيا ما. ويقوم عقلنا الباطن بالتعامل معها بشكل بدائي جدا، وهو، ببساطة، تجنيبك ما يسبب لك الألم، ودفعك للقيام بأي شيء ممتع مسل آخر! لذلك تجد أن تصفح الإنترنت يصبح مغريا بشكل لا يصدق وقت المذاكرة أو خلال العمل!

فكيف نتصرف إذا ؟

ما هي «الحيل النفسية» التي يمكننا القيام بها للتغلب على التأجيل ؟

1. لا تقلق!

وجد العلماء أن الشعور بالقلق في الحياة العادية، يزيد فرص تعرض الإنسان للتسويف.. فما العلاقة ؟ القلق يزيد الضغط النفسي الواقع على المرء عموما، فيحاول الإنسان لا إراديا تجنب أي عبء نفسي إضافي، فيتفادى القيام بالمهام الشاقة نفسيا كتحمل المسؤوليات الثقيلة أو القيام بمهام صعبة، ويكون أضعف أمام المغريات المسلية التي تخفف عنه ضغطه النفسي. لذلك يكون الإنسان القلق المتوتر أكثر قابلية للوقوع في التسويف من الإنسان العادي. لهذا السبب، وجدوا أن التأمل «Meditation» من الأساليب التي تساعد الإنسان في التغلب على التأجيل. لأنه يفرغ الضغوط النفسية من حياتك أولا بأول. الاسترخاء والتأمل أو ممارسة الرياضة البدنية بانتظام أنشطة تقوي من مناعتك ضد التأجيل. فلا تقلق!

2. كن مستقبليا!

يقول الباحثون أن الاحتراف في أي مجال لا يعتمد على الموهبة بشكل أساسي.. بل على المواظبة على التدريب والممارسة المستمرة لما تريد الاحتراف فيه (لـ 10 آلاف ساعة تقريبا!) وهو ما ليس ممتعا ومسليا بل قد يكون مملا وشاقا ومرهِقا. فما الذي يجعل شخصا يقدم طواعية على القيام بنشاط متعب بهذا الإصرار ؟ السبب هو أن البعض «مستقبليون».. أي أنهم يتطلعون دوما للمستقبل ويعتبرون أن حياتهم ما هي إلا رحلة يجتازونها للوصول إلى أهداف بعيدة وحياة لم يعيشوها بعد (كالمدفوع بهدف ما أو بتطوير نفسه باستمرار)، بينما بعض الناس «يعيشون في الحاضر» أي لا تتجاوز تطلعاتهم حدود لحظتهم الحالية، يعيشون اليوم بيومه وسعيدون بهذا، لذا يكونون أكثر قابلية للانجذاب لما يمتعهم، وتجنب المهام غير المسلية.

وجد العلماء أن الذين «يعيشون في الحاضر» هم الأكثر عرضة للتسويف.. فهم ضعفاء أمام المغريات عموما. لذلك حاول أن تكون مستقبليا. فكر في المستقبل بشكل أكبر.. فالمتعلقون بهدف مستقبلي يملأ وجدانهم، يقدمون على فعل ما ينبغي فعله مهما كان مملا أو شاقا، مادام يقربهم إلى ما يحبون.

اغمض عينيك وتخيل نفسك بعد 10 أعوام.. ما هي الصورة المثالية التي تريد أن تكون عليها ؟ أين ستكون وماذا ستفعل ومن سيكون معك ؟ من يعيشون في الحاضر لا يشغلهم المستقبل كثيرا.. لذا تخيل هذا الأمر بالتفصيل، ينصح علماء بكتابته، وتأمل هذه الصورة.. كرر هذا التدريب من حين لآخر لتجبر نفسك على التفكير وتكوين صورة واضحة للمستقبل، كي تتعلق به ويكون دافعا لك، للتخلص من التسويف الذي يؤجل سعيك نحو أحلامك!

3. أحب ما تقوم بتأجيله!

يحاول المخ إبعادك عما يسبب لك الألم ؟ حسنا.. اقنع نفسك أن النشاط الذي تؤجله، ممتع وجميل ولطيف! المخ بدائي وتنطلي عليه خدع كهذه ببساطة! فكر معي في الأمر،. هذا الشيء الذي تؤجله، هناك من يحب ويستمتع بالقيام به، قد تكون مذاكرة الفيزياء مملة، لكن هناك من يقومون بها في أوقات فراغهم، فكيف يفكرون ؟ تقمص طريقة تفكيرهم وتخيل أنك واحد منهم، تصور أن الموضوع مغامرة ممتعة مسلية، أو لعبة تحاول فيها تسجيل أكبر عدد من الأهداف أو النقاط ممكنة، المهم أن تحاول النظر لما تقوم بتأجيله من زاوية أكثر طرافة، تخفف من وطأته وتقنع عقلك الباطن أن الأمر ممتع ومسل!

4. أحب نفسك!

ما علاقتك مع نفسك ؟ هل تحبها أم تكرهها ؟

بعض الناس يوبخون أنفسهم دائما، حوارهم الداخلي مع أنفسهم سلبي معظم الوقت مليء باللوم والتحقير، وهذا يزيد الضغط النفسي الذي لا داع له كما تلاحظ، وبالتالي يتجنب هذا الشخص لا إراديا- ما يسبب له ضغطا زائدا فيقوم أيضا بالتسويف! هذا الشخص فيه ما يكفيه، فيجد نفسه أضعف من أن يقوم بما يسبب له ضغطا إضافيا. كما أن توقع الكمال، وأن تنجز عملا خاليا من الأخطاء به أقصى درجات الكمال، لهو اعتقاد يقلل من تقدير الإنسان لذاته ،لأن الخطأ والزلل من طبائع البشر، كما يزيد نفور الإنسان مما ينبغي عليه القيام به فيزيد من قابليته للتسويف!

تقدير الذات من أهم دعائم الصحة النفسية، فلا تكن قاسيا في إصدار الأحكام على نفسك. كل إنسان لديه عناصر قوة وعناصر ضعف، فركز في نقاط قوتك وفكر فيها دائما ومارسها في حياتك.. الأخطاء والزلات شيء طبيعي فتقبلها ببساطة لأنك بشر. لا تحكم على نفسك بمقاييس الآخرين أو مقاييس فوق طاقتك بل كن صديقا لنفسك لا عدوا لها. فهذا يساعد، علميا، على تخطي التسويف!

5. ابدأ فورا!

يقول العلماء أن الإقبال على فعل شيء لا تحبه، ينشط مراكز الألم في المخ (مثل القشرة الانعزالية) لدرجة أن بعض الناس يشعرون بالغثيان أو انقباض الصدر أو أي شعور جسدي آخر حين يقبلون على فعل شيء لا يحبونه، لكن العلماء اكتشفوا هنا شيئا عجيبا، وهو أن نشاط مراكز الألم هذه، يختفي حين يبدأ الإنسان بالقيام بما عليه فعله! فالذين ينزعجون من القيام بواجبهم المدرسي مثلا يزول هذا الشعور بالانزعاج حين يبدؤوا بالفعل في القيام بالواجب! يكتشفون أن الأمر لم يكن بهذا السوء!

تقول هذه الدراسة إن الانزعاج ليس سببه الشيء الذي تريد القيام به في حد ذاته، لكن توقعه وترقب حدوثه. المهمة الثقيلة لا تسبب الألم في حد ذاتها، لكن «التصور الذهني» للقيام بهذه المهمة هو الأكثر إيلاما. أي تخيلك لعملية القيام بهذا الشيء.

هل تشعر أن ما تريد القيام به مزعج لذلك تؤجله ؟ ببساطة قل لنفسك أنك ستقوم به لمدة 10 دقائق فقط وعندما تبدأ ستجد أن الموضوع لم يكن بهذا السوء الذي تصورته. أي كما يقول المثل الشعبي: وقوع البلاء ولا انتظاره!

-بتصرف-

المصدر: موقع الدكتور شريف عرفة

شاركنا بتعليقك