إسهامات

إذا كنت إنسانا يعيش معنا على هذا الكوكب فأنت طوال الوقت محاط بأشخاص يؤثرون فيك وتؤثر فيهم، وطوال الوقت معرّض لأن تكون فريسة أو ضحية للاستغلال أو الخداع والنصب، أو أن تكون هدفا محتملا لترويج منتج أو فكرة أو رأي ما.

هناك أشخاص يريدونك دائما أن تقول «نعم» أو أن تقتنع بأفكارهم وآرائهم أو أن تشتري منتجاتهم، قد يرتدي هؤلاء الأشخاص بذلًا وربطات عنق أو عمم وجلاليب أو معطف محاماة أو معطفًا طبيًا ...

نتحدث هنا من منظور علم النفس عن مفهوم الإقناع الذي يصف عملية التأثير في سلوكيات وتصرفات الناس تجاه الأفكار أو الأهداف أو الأشخاص أو الأحداث أو المنتجات، ومحاولة توجيه الناس بشكل غير مباشر لتحقيق أهداف أو أغراض معينة.

الدكتور "روبرت سيالديني" عالم النفس الكبير الذي يعد من أهم من تناولوا علم التأثير والإقناع بالدراسة والبحث والتحليل. يرى الدكتور سيالديني من واقع دراسته وخبرته أن السر يكمن في الاستجابة الآلية لمجموعة من المبادئ النفسية الرئيسية التي نستخدمها طوال الوقت في حياتنا اليومية كنوع من الاختصار لتوفير الوقت والمجهود الذهني للتفكير، هذه الاختصارات والاستجابات الآلية تعتبر سلاح ذا حدين لأنها بقدر ما هي ضرورية لتسهيل حياتنا ومساعدتنا في التعامل مع العدد الرهيب من المؤثرات والأشخاص والمعلومات والقرارات والاختيارات التي تعرض علينا يوميا، إلّا أنها أيضا تستخدم وتستغل من قبل من يطلق عليهم محترفي كسب المطاوعة للتأثير علينا وكسب مطاوعتنا وتوجيهنا بطرق غير مباشرة لتحقيق أهدافهم وأغراضهم، ولذلك يطلق عليها أسلحة التأثير.

وفيما يلي نستعرض سبعة من أهم أسلحة التأثير وأكثرها استخداما في حياتنا اليومية:

1. التباين الإدراكي:

مبدأ مثير جدا من مبادئ علم النفس الفيزيائي أو الفيزياء النفسية، والمقصود به أنك إذا تعرضت لمؤثرين مختلفين وراء بعضهما ستشعر أن المؤثر الثاني أكثر اختلافا عن المؤثر الأول بالمقارنة بحالة إذا ما تعرضت للمؤثر الثاني وحده فقط، فمثلا عندما تحمل حقيبة ثقيلة ثم تتركها وتحمل حقيبة خفيفة تشعر أن الحقيبة الثانية أخف وزنا من وزنها الحقيقي، وكذلك لو وضعت يدك اليمنى في دلو به ماء ساخن ويدك اليسرى في دلو به ماء بارد ثم أخرجتهما ووضعتهما سويا في دلو واحد به ماء درجة حرارته كدرجة حرارة الغرفة ستندهش حين تشعر يدك اليمنى أن الماء في الدلو بارد وتشعر يدك اليسرى أن الماء في الدلو ساخن في نفس الوقت.

وهكذا نتعلم من هذا المبدأ أن طريقة ترتيب وعرض قائمة طلباتنا قد تحدث فارقا كبيرا في مدى الاستجابة والاقتناع بها.

2. التبادل

نحن بشر لأن أسلافنا تعلّموا أن يتشاركوا في الطعام والمهارات ضمن شبكة مشرّفة من الالتزام هكذا يقول عالم الأنثروبولوجيا "ريتشارد ليكي" مؤكداً على أهمية قانون التبادل الذي قامت عليه المجتمعات البشرية من قديم الزمان، حيث أن وجود شبكة من المبادلة والالتزام بين الناس في المجتمع يمنح الإنسان شعورا بالأمان والثقة في أنه يستطيع أن يعطى وهو مطمئن أنه سيأخذ في المقابل، ولذلك نجد دائما أن الشخص الذي يأخذ ولا يعطي في المقابل يعتبر دائما مذموما ومنبوذا وغير مرغوب فيه من الناس، ولا أحد منا بالطبع يرغب أن يكون كذلك، فبالتالي عندما يقدم لنا أحد هدية أو خدمة -مهما كانت بسيطة أو صغيرة- نشعر بالفطرة أننا مدينون له وأننا مطالبون برد الجميل في أقرب فرصة ممكنة، كاستجابة آلية لقانون التبادل، ولو لم نقم بذلك قد نشعر بالذنب أو بعدم الراحة نفسيا، وهذا ما يستغله محترفو كسب المطاوعة كواحد من أقوى أسلحة التأثير.

3. الثبات والالتزام

دائما يميل الناس إلى الثبات على مبادئهم ومعتقداتهم والالتزام بأفكارهم المسبقة ووعودهم وتعهداتهم التي أخذوها على أنفسهم، وأن تكون أقوالهم وأفعالهم وقراراتهم متطابقة ومتّسقة دائما مع هذه المبادئ والمعتقدات، وينفرون من الشخص الذي يتصرف بطريقة غير متسقة مع مبادئه ومعتقداته المسبقة المعلنة سلفا، ويعتبرونه مزدوج المعايير أو منافقا أو مختلا وغير سوي، ولذلك اكتشف محترفو كسب المطاوعة أنهم يمكنهم ببساطة تحقيق نجاح كبير إذا استطاعوا ربط أفكارهم أو أهدافهم أو منتجاتهم بأحد المبادئ الرئيسية عند العميل أو الشخص المستهدف، وبالتالي تفعيل مبدأ الثبات والالتزام عنده واقتناعه بتبني تلك الأفكار أو شراء تلك المنتجات.

4. البرهان الاجتماعي والإجماع

من الاختصارات الآلية التي يعتمد عليها معظم الناس في حياتهم اليومية اتباع رأي الأغلبية، فطالما وجد الشخص أن هناك إجماعًا من الناس على فكرة معينة أو منتج معين يستجيب آليا لمبدأ البرهان الاجتماعي ويسير مع القافلة ظنا منه أنه من غير المعقول أن يكون كل هؤلاء الناس على خطأ، ولذلك يعتبر هذا المبدأ من أخطر المبادئ النفسية التي يمكن استغلالها بطريقة خاطئة وقد تؤدى إلى نتائج كارثية على مستوى المجتمعات والشعوب.

5. المحبة والإعجاب

سلاح بسيط ومعروف ولكنه فعّال جدا والاستجابة الآلية له دائما تكون قوية ومدهشة، فنحن دائما نميل إلى اتباع ومطاوعة الأشخاص الذين نعرفهم ونحبهم، وقد وجد الباحثون أن هناك بعض العوامل الرئيسية التي تجعلنا نعجب بأحد أو نحبه وننجذب له وبالتالي نتأثر به بسهولة، من أهم تلك العوامل:

  • الجاذبية الجسدية: أو ما يعرف بـ«تأثير الهالة» حيث يتأثر الناس بالصفات الخارجية لشخص ما كالجمال والوسامة والأناقة.
  • التشابه: ينجذب الناس عادة للأشخاص الذين يشبهونهم في الصفات الشخصية والاهتمامات وأسلوب الحياة.
  • المديح والإطراء: غالبا ما يحب الناس من يمدحهم حتى لو كانت مجاملة كاذبة أو مبالغًا فيها.

6. السلطة

نحن نعيش في مجتمع قائم على تعدد الطبقات وتدرج السلطات، ومن المبادئ الثابتة عند الناس طاعة الأشخاص ذوي المناصب أو السلطات الأعلى منهم والانصياع لأوامرهم أو توجيهاتهم أو نصائحهم، باعتبار أن هؤلاء الأشخاص وصلوا لهذه المناصب عن جدارة واستحقاق وأنهم مخولون ومؤهلون لقيادة الناس وتوجيههم، وبالتالي يميل الناس إلى تسليم أمورهم والاطمئنان لهم واتباعهم كنوع من الاختصارات الآلية لتوفير الوقت والمجهود الذهني للتفكير وجعل الحياة أسهل وأكثر راحة، وهنا يأتي دور محترفي كسب المطاوعة والمستغلين الذين يستخدمون هذا السلاح الخطير، سلاح السلطة، للتأثير في الناس وتوجيههم.

7. الندرة

الكمية محدودة -العرض سارٍ حتى نفاد الكمية- عرض لفترة محدودة -آخر فرصة للتقديم- آخر ميعاد للحجز، كلمات لها سحر خاص وتأثير كبير علينا حين نسمعها أو نقرأها فتقوم بتفعيل واحدة من أقوى الاستجابات الآلية عندنا على الإطلاق، وهى الخوف من فقد الشيء أو خسارته، حيث أن ندرة الشيء أو قلة وجوده دائما تزيد من قيمته وتجعله مرغوبا بشكل أكبر.

والآن أخي القارئ اسأل نفسك أي من هذه الأسلحة تم استغلالك أو خداعك بها من قبل؟ وكيف حدث ذلك؟ وكيف ستتصرف في المرة القادمة حين يتكرر الأمر؟

-بتصرف-

المصدر: موقع ساسة بوست

شاركنا بتعليقك