إسهامات

الحقيقة أن حياة المؤمن ليست قاسية، ففيها مرح، تفاؤل، بشاشة، وثقة بالله عزَّ وجلَّ، وفيها تودد وحب، فالمزاح أحياناً يعبِّر عن هذه، الدعابة والود لهما فوائد كثيرة فهي تؤلّف القلوب وتجمع الشمل وتجعل الجو لطيفاّ، فالأب الذي في بيته شيء من المرح وشيء من الدعابة وشيء من التسامح يصبح بيته كالجنّة.

أما البيت الذي فيه قسوة وعبوس ومتابعة ونوع من السيطرة القمعيّة، هذا البيت أمنية الأولاد فيه أن يخرج أبوهم من البيت، فنجاحك في البيت مؤشّره أن يتمنّى أولادك أن تكون بينهم، وعدم نجاحك في البيت أن يتمنّى أولادك أن تكون بعيداً عنهم.

كان النبي ﷺ هو القدوة في البيت كواحد منهم، في التواضع والعفويّة وعدم التكلُّف وعدم القمع وعدم التصنُّع وهذا يجعل البيت روضة من رياض الجنّة، أما إذا دخلت السيطرة والقمع والعبوس والجديّة المستمرّة، فهذا من شأنه أن يُنفّر الأولاد من أبيهم.

وكما أن لكل شيء حدود فللمزاح آداب أيضا، والمزاح شائع بين الناس جميعاً ولكنّه كالملح في الطعام، دققوا في هذا المثل، فالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.

قد تحدث أخطار كبيرة بسبب المزاح نحو ضعف الهيبة، والاستخفاف، وعدم المبالاة، والتساهل، والتسيّب، وهذه من آثار المزاح السلبيّة التي تؤثر على العلاقة بين الأبوين وأبنهما.

المؤمن يتنعّم ولكن ليس التنعُّم هدفاً استراتيجيا من أهدافه، لا فالهدف الأساسي مرضاة الله عزَّ وجلَّ ويأتي التنعُّم عرضاً، وهدفه نشر الحقّ وتأدية الرسالة وحمل الأمانة، لكن يأتي المزاح ليلطّف الجو جو الأسرة، فالمدرس الناجح يمزح مع طلاّبه، والطبيب الناجح تجده مرحاً، وقد تجده يصعب الأمر فيزداد المريض مرضاً، وتجد طبيباً مؤمناً بالله فيطرح طرفةً ويؤانس المريض ويطمئنه، ويعطيه أملاً فيشفي الله عزَّ وجلَّ المريض بسبب هذه المعنويّات المرتفعة، فالمزاح يجب أن يكون في كلِّ مجال ولكن إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضدّه.

من السهل أن تكون متطرِّفاً، ومن السهل أن ترخي العنان، مزاح وضحك دون حدود، ومن السهل أن تكون قاسياً جبّاراً في البيت، التطرُّف سهل ولكنّ البطولة أن تجمع بينهما، البطولة أن تكون بين الإفراط والتفريط، أن تكون بين القسوة والقمع وبين التسيُّب.

كان أصحاب النبيّ ﷺ يترامون أحياناً، أحياناً حين يكون الثلج متساقطاً وترى الناس يتقاذفون به كنوع من المرح، لكن إذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال، فالإنسان العظيم يمزح ويكون مرحاً مع أصدقائه وأهله وأخوانه، لكن إذا جدّ الجد كان كما قال ابن المقفّع: "فهو الليث عادياً"، وقد ذكر أحد أصدقائه فقال: "من أعظم الناس في عيني، كان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينيّه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلّم بما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا جدَّ الجدُّ فهو الليث عادياً".

أي أنّ الشخصيّة العظيمـة متنوّعـة الجوانب، ففي البيت وديعاً، ومع أصدقائه متواضعاً، وفي حديثه مزح وطرافة، وإذا جدَّ الجدُّ فهو الليث عادياً، الجوانب المتنوِّعة من علامات الشخصيّة المتفوِّقة.

-بتصرف-

المصدر: موقع موسوعة النابلسي

شاركنا بتعليقك