إسهامات

لقد حدد رسول الإسلام الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين في دعونه بقوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

فكأن الرسالة التي خطت مجراها في تاريخ الحياة، وبذل صاحبها جهد كبيرة في مد شعاعها وجمع الناس حولها، لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم، وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم، حتى يسعوا إليها على بصيرة.

والعبادات التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركاناً في الإيمان به ليست طقوسا مبهمة من النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها، كلا فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكا بهذه الأخلاق، مهما تغيرت أمامه الظروف.

أنها أشبه بالتمارين الرياضية التي قبل الإنسان عليها بشغف، ملتمسا مسن المداومة عليها عافية المدن وسلامة الحياة.

ماذا نتعلم من الصلاة؟

القرآن الكريم والسنة المطهرة، يكشفان -بوضوح- عن هذه الحقائق، فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها، فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ سورة العنكبوت: 45.

فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل، هو حقيقة الصلاة، وقد جاء في حديث يرويه النبي عن ربه: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خُلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع النهار في ذكرى، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب".

ماذا نتعلم من الزكاة؟

أما عن الزكاة المفروضة فليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي أولا غرس المشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد العلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات. وقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا التوبة: 103؛ تنظيف النفس من أدران النقص، والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى.

ومن أجل ذلك وسع النبي ﷺ في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فقال: "تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة". وهذه التعاليم في البيئة الصحراوية التي عاشت دهوراً على التخاصم والنزف تشير إلى الأهداف التي رسمها الإسلام، وقاد العرب في الجاهلية المظلمة إليها.

ماذا نتعلم من الصوم؟

شرع الإسلام الصوم، فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل أعتبره خطوة إلى حرمان التنفس دائما من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكورة.

وإقرارا لهذا المعنى قال الرسول ﷺ: "من لم يدع قول الزور، والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

وقال ﷺ: "ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد، أو جهل عليك، فقال إني صائم".

والقرآن الكريم يذكر ثمرة الصوم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة: 183.

ماذا نتعلم من الحج؟

وقد يحسب الإنسان أن السفر إلى البقاع المقدسة، الذي كلف به المستطيع واعتبر من فرائض الإسلام على بعض أتباعه يحسب الإنسان هذا السفر رحلة مجردة عن المعاني الخلقية، ومثلا لما قد تحتويه الأديان أحيانا من تعبدات غيبية، وهذا خطا، إذ يقول الله تعالى، في الحديث عن هذه الشعيرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.

هذا العرض المجمل لبعض العبادات التي اشتهر بها الإسلام، وعرفت على أنها أركانه الأصيلة، نستبين منه متانة الأواصر التي تربط الدين بالخلق.

إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها الرسول له في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

فالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام، هي مدارج الكمال المنشود، وروافد التطهر الذي يصون الحياة ويعلى شأنها، ولهذه السجايا الكريمة -التي ترتبط بها أو تنشأ عنها- أعطيت منزلة كبيرة في دين الله.

فإذا لم يستفد المرء منها ما يزكي قلبه، وينقي قلبه، ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى.

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ طه: 76.

-بتصرف-

المصدر: كتاب: خلق المسلم، محمد الغزالي، ص 7.

شاركنا بتعليقك