إسهامات

    كان قارون من بني إسرائيل وهو ابن عم سيدنا موسى عليه السلام، وقد رزقه الله تعالى سعة في الرزق، وكثرةً في الأموال حتى فاضت بها خزائنه، واكتظت صناديقه بما حوته منها، فلم يعد يستطيع حمل مفاتيحها مجموعة من الرجال الأقوياء.وكان يعيش بين قومه عيشة الترف، فكان يلبس الملابس الفاخرة ولا يخرج إلا في زينته، ويسكن القصور، ويختار لنفسه الخدم والعبيد، ويستمتع بملذات الدنيا الفانية، لكن قارون لم يكن عبدا شكورًا، فبدلاً من أن يطيع الله، أخذ يغتر بنفسه ويتكبّر على قومه ويفتخر بكثرة ما آتاه الله تعالى من الأموال والكنوز، فنصحه النصحاء من قومه ووعظوه ونهوه عن فساده وبغيه ولكنه أجابهم جواب مغتر مفتون مستكبر مدعيًا أنه لا يحتاج إلى نصائحهم لأنه اكتسب ماله بعلمه وفضله معتقدًا على زعمه أن الله يحبه ولذلك أعطاه المال الكثير.

ولما حلّ بقارون ما حلّ من خسف الأرض وذهاب الأموال وخراب الدار وخسفها، ندم من كان تمنى مثل ما أوتي وشكروا الله تعالى الذي لم يجعلهم كقارون طغاة متجبرين متكبرين فيخسف بهم الأرض.

والمقصود المهم من هذه القصة هو ما يأتي:

ذكر وقت أن قال له قومه على جهة الوعظ والإرشاد: لا تفرح وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، وهذه خمسة أصول مهمة، ومن تمسك بها وعمل بمقتضاها نجا من الدنيا وما فيها.

أهم الدروس والعبر من قصة قارون

  • المال والمنصب العالي عرضة لإفساد المرء إلا من رحم الله عز وجل وقليل منهم ما هم، فإن كثرة المال محنة وبلاء، وسبب للطغيان والفساد.
  • الجاهل الذي لا علم لديه، أو علمه ناقص هو الذي يغتر بماله، ويبطر عند النعمة، فإن الله تعالى يعاقب الأشرين البطرين الذين لا يشكرون نعمة الله تعالى عليهم.
  • إن أصول الدنيا الحضارة الإسلامية أربعة: العمل الصالح، ابتغاء ثواب الآخرة، عمارة الدنيا بإتقان دون أن تستولي على مشاعر الإنسان، الإحسان إلى الناس إحسانا ماديا ومعنويا أو خلقيا، قمع الفساد والعصيان والخراب.
  • الله تعالى مصدر الخير والرزق، وما العبد إلا وسيلة، يجب عليه أن يعمل ويكتسب، والله هو الرزاق الميسر له أسباب الرزق، المانح له الثراء والمال، فيكون هو المستحق للشكر على تلك النعمة.
  • أهلك الله الكثير من الأمم الخالية الكافرة، وهم أشد قوة من قارون، وأكثر جمعا للمال منه، ولو كان المال يدل على فضل لم أهلكهم.
  • كثرة المال قد توقع صاحبه في البغي والبطر، فإن المال فتنة.
  • من فضل الله تعالى على الأمة أن يوجد فيه عالمون ينصحون ويرشدون ويوجهون.
  • العافية والمال وعز السلطان يصاب صاحبها بالاغترار إلا من رحم الله.
  • إذا خص الله عبدا بخصوصية فلا ينسبها لنفسه، أو لحوله وقوته، أو لكسبه ومجاهدته، بل يشهدها منة من الله عليه، وسابق عناية منه إليه.   

-بتصرف-

المصدر: كتاب دروس وعبر من قصة قارون، علي بن نايف الشحود.

شاركنا بتعليقك