إسهامات

.. الأوقاف أو الوصايا في وادي مزاب موجودة ومتنوعة، ولكنها اتخذت شكلا مغايرا لما يُعرف عادة في الأوقاف الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، وهي تتلخص في أن أحد المؤمنين يوصي بعرجون في نخلته الكائنة في غابته الفلانية أو يوصي بنخلة غرس مثلا كانت في غابته الفلانية بجانب البئر ويترك حُكمها في ملك ورثته دائما، وبعد ذلك يجيء مُنفذ الوصية فيذهب إلى المسجد ويخبر الوكيل لينقل نص الوصية حرفيا في دفاتر المسجد، وتبعا للنص يتفقان على طريقة تنفيذ هذه الوصية، وهناك -وهذا هو الأعم الأغلب- من يُؤبِّر النخلة وينقص لها في وقت تنقيص العراجين، ويسوي العراجين في وقت التسوية وهو ما يعبر عنه بالحط أو "أسرسي"، وعند الجُذاذ تأتي الجماعة التي تقطع نخيل المسجد وتأخذ التمر الذي على النخلة كله وتترك له عرجون التأبير كما يسمى -هذا من صميم العدالة الإسلامية ذلك لأن صاحب البستان هو من دفع أجرة الفلاح الذي صعد النخلة وأبَّرها أو لقح عراجينها-. وهناك من الوكلاء من يثق بمن يملك الغابة أن يقوم بكل شيء ويوصل التمر للمسجد، أما إذا كانت النخلة لصاحبها وللمسجد فيها عرجون واحد فإنه هو الذي يوصله إلى المسجد، ومن النادر أن نجد غابة بأكملها ملكا للمسجد إلا في القرارة أو لمساجد مزاب في وارجلان مثلا.

وهذه الغابات كلها ألحقت بصندوق الثورة الزراعية عام 1975م، أما النخيل المتفرق أو العراجين فلا تزال على حالها وإن كان إيمان المؤمنين وأريحيتهم قد سدت حاجيات الفقراء من عُمَّار المساجد بما لا مزيد عليه، وإذا قلنا إن الوصايا متنوعة فهناك مثلا "جُبة الإمام" أو "حائك الإمام"، ففي العطف -تجنينت- توجد دار معروفة هي ملك لصاحبها ولكن عُلقت فيها وصية بجبة الإمام، وهي أن يصنع مالك الدار جبة صوف لإمام المسجد كل ثلاث سنوات، وإذا صنعوا له جديدة أخذوا القديمة فقد يلبسها صاحب الدار وقد يبيعها، وهناك وصية باستضافة الحجيج كل سنة في بلدة "مليكة" مثلا، وهناك ما جُعل للمقابر إذا نُوديَ لها في الصيف أو الشتاء وذلك من أنواع الميراث، وهناك من أَوصى ببیت لضيف المسجد ينام فيه مادام مقيما في البلدة، وهناك من أَوصى بكل ما تحتاج البلدة من مِلحٍ، وإن كان قد علق ذلك في دار ذات ریع مُهمٍ، وهو على طول السنة يتصدق بالملح لكل من يقصده في تلك الدار، والملح كما يقال لنا هو مأدبة جدنا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وهناك من أَوصى بِحُليِّ يُعطَى على سبيل العارية لكل متزوجة فقيرة تتزين به في عُرسها.

وهناك من العائلات وإذا قلنا العائلة فنحن نقصد عددا من العائلات التي تحمل اسما واحدًا، وهؤلاء بوصية من جدهم يهيئون عشاءً لكل طلبة المساجد من عزَّابةٍ وإروان في موسم من المواسم، وعلى سبيل المثال أذكر أربع عائلات في العطف، فـ "آل الحاج احمد" يصنعون فطورا وسحورا في ليلة السابع عشر من شهر رمضان المعظم، يدعون إليهما طلبة المسجدين سواء كانوا من "العزَّابة" أو "إروان" ومعلمي المدارس الثلاث، ويفوق عدد المدعوين المائة يفطرون عند المغرب أو يتسحرون في السهرة.

أما "آل الحاج إبراهيم" فيصنعون عشاء أو غداء في منتصف شعبان لكل الطلبة كسابقيهم، وأما "آل الحاج إسماعيل" فيصنعون عشاء ليلة عاشوراء، أما "آل ابن أيوب" فيصنعون طعاما للطلبة يوم عيد الفطر ويوم عيد النحر، ويأكل معهم كل من حضر من الناس وليست هناك دعوة رسمية إليه وذلك بعد أن يخرجوا من المسجد مباشرة، فإذا دخلوا إلى الدار التي يوجد فيها مصلى جدهم الشيخ "أحمد بن موسی، ابن أيوب" يقرؤون سورة الملك على روحه ثم يأكلون الطعام ثم ينصرفون بعد الدعاء، وكل ما ذكرنا من هذه العشاءات هي وصايا يتوارثها الخلف عن السلف، ولا علاقة للمسجد في تسييرها إلا دور المشرف، حيث أن أعضاء الحلقة هم على رأس قائمة المدعوين، وهناك وقف آخر في العطف هو "آل حاجو" فإنهم يصنعون طعاما في يوم معروف من أيام السنة وهي الجمعة الرابعة من مقابر الشتاء، فيدعون العزابة للغداء ويحضرون لهم الطعام مهيأً والمقادير المقررة من السمن واللحم، فيخلطه العزابة بأيديهم ويبعثون قصعًا كبيرة تحمل على ظهور الدواب إلى مصلى المقبرة لتوزع هناك، ويأكلون الغداء مع من حضر من الناس، وإذا خرجوا حضر سائر الناس وأكلوا الغداء ويحضره كثير من الفقراء.

ولو ذهبنا نعدد هذه الأنواع من الوصايا المعلَّقة بالدُّور لطال بنا السرد، وهناك كذلك أدوات للمطبخ كالمراجِل والقِصَع الكبار والقدور الراسيات وأدوات المناسج وخيام الأعراس وما إلى ذلك مما ينتفع به الناس، ويردونها لأهل الموصي حتى يجدوها في يوم آخر إذا احتاجوا إليها، وهذا كله لا يعد شيئا بالنسبة للأوقاف أو الوصايا المسجلة في "كراس العزَّابة" كما تقدم ذكره، ونحن إذا تصفحنا هذا الكراس وجدنا مثلا: "أوصى فلان بن فلان بعشرين قِربة ماء عذب تُسقى في الصيف للمسجد العتيق بالعطف "تَجنِينت" وعلقها في داره الكائنة في الشارع الفلاني التي دخلت ملکه بالشراء من فلان أو بالإرث من والديه ..."

وهذه الوصايا فيها أقسام منها:

أ. الماء الذي يهيأ للمساجد، وأغلبها للصيف أو لرمضان.

ب. ما كان من الزيت للاستصباح، وأغلبه في المولد ورمضان.

ج. قمح أو شعير وهو يعلق في أرض حِراثية، يؤدَّى الوقف إذا حرثت فقط.

د. قمح أو شعير وهو يعلق في أرض حِراثية، يؤدَّى الوقف ولو لم تحرث.

ه. ما يصنع طعاما بالسمن واللحم في بعض ليالي رمضان وفي المقابر، وهذا من أكثرها کمية.

و. ما كان من الخبز أو التمر لهذه المقابر.

وكل هذه الأوقاف لا تزال مستمرة –والحمد لله- وليس هناك قوة تقهر الناس لأدائها، بل يكفي أن يعلن عن المناسبة في المسجد حتى يستجيب الناس.

-بتصرف-

المصدر: كتاب رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى، ص 149-152.

شاركنا بتعليقك