إن أوقاف التمور تساهم بشكل كبير في تزويد المحتاجين لهذه المادة الغذائية الرئيسية -من لا يملك نخيلا- فيعتبر الوقف موردهم الأساسي. وربما لا تستشعر هذه الأهمية إلا في سنوات القحط والمجاعة، حين تقل موارد الغذاء، ويفتقر الغني، ولا ملاذ للفقراء حينها سوى أوقاف التمور، يسد بها جوعه ويقوي بدنه وتكفيه ذل المسألة ومرارة الرد وصدق رسول الله ﷺ حين قال: "يا عائشة! بيت لا تمر فيه جياع أهله. يا عائشة! بيت لا تمر فيه جياع أهله" وحسب شهادة الشيخ سليمان بن سعيد بكاي -رحمه الله- من قصر آت ايزجن، فإن سنوات القحط والمجاعة التي كانت من حوالي 1935م إلى 1945م، حيث التقى الجفاف بويلات الحرب العالمية الثانية، فكانت النتيجة أن أصيب الناس بمجاعة كبيرة، ويضيف الشيخ قائلا:
".. ونحن في مزاب والحمد لله وبفضله لم نتضرر كثيرًا بهذه المجاعة، لأجل الأوقاف الموجودة عندنا سواء تلك التي تنفذ عن طريق المسجد، أو التي يتولى تنفيذها المحسنون مباشرة، خاصة وقفي التمر والماء".
يجسد هذا النوع من الوقف فكرة الإطعام التي لها مكانة في التشريع الإسلامي وقد وردت عدة آيات وأحاديث تتحدث عن فضل النفقة في شكل طعام. فعن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" ومن الآيات قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىا حُـبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ♦ اِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا﴾ الإنسان: 8، 9.
تعتبر أوقاف التمور من خلال الوظائف المتنوعة التي تصرف فيها أصوله، رمزًا مميّزًا لثقافة وحضارة المجتمع المزابي الإباضي، فكل وظيفة لها أكثر من معنى وتعبر عن عدة قيم، هذه بعضها:
البعد الاجتماعي
إن مناسبات جنى محاصيل التمور، وجمعها وتخزينها، ...، هي تظاهرات اجتماعية تتجسد فيها التضحية، وتقوي أواصل تقارب أفراد المجتمع الغني والفقير، فتتلاقى وتتصافى القلوب وهي كذلك فرصة للتواصل بين الأجيال فيجتمع الكبير والصغير في جو مفعم بالبهجة والسرور، يجمع بين الجد والترفيه.
إن هذه المناسبات تجسد حقا مظهر وحدة المجتمع وتضامنه. فالكل يعمل، يبل، ويعطي في سبيل الله.
إن أوقاف التمور لا تقل أهمية عن أوقاف العقارات، بل وقد تكون أهم لما فيها من:
- استثمار وتنمية رؤوس الأموال.
- المساهمة في الإنتاج الزراعي.
- المساهمة في تحقيق الاكتفاء الذاتي، مع عدالة في التوزيع.
- المساهمة في المحافظة على البيئة، فالنخلة هي إحدى دعائم النظام البيئي الواحي في منطقة وادي مزاب.
-بتصرف-
المصدر: كتاب أوقاف التمور في قرى وادي مزاب، محمد بن صالح زرقون، ص111-114.
شاركنا بتعليقك