إسهامات

قليلون منا من ينتبه إلى تأثير الطوارئ على اختياراتنا في الحياة، فعندما يأتي صوت الهاتف، أو يصرخ الرضيع، أو يطرق أحد الباب، أو يدخل أحد من الباب، أو عندما تسمع أحدهم يقول " أريد هذا الآن، أو أرجوك أحضر حالا، أو لقد تأخرت عن موعدك". كل ذلك يوضح الأحداث الطارئة التي تسيطر بإلحاح على أسلوبنا في اختيار ما يجب علينا عمله، بل والسيطرة على مجرى الحياة نفسها. إننا نود أن تأخذ لحظة للتفكير في الاتجاهات والسلوكيات التي تنمو معنا، كما يعكسها دليل الطوارئ الموجود في جدول (3). إن إجابتك عن عناصر هذا الدليل ستعطيك فكرة عن الحد الذي وصلت إليه في النظرة إلى الحياة من خلال منظور الطوارئ اقرأ العبارات الموجودة في الدليل، وضع علامة على الرقم الذي يعبر عن نفسك، بعد الانتهاء من ذلك أجمع إجاباتك لتعرف مجموعك على مقياس الطوارئ. علما بأن النتيجة التي وصلت إليها سترشدك، أين أنت من هذا المقياس؟ ومفتاح هذا المقياس يوضحه جدول (2).

جدول (2) مفتاح دليل الطوارئ

صفر - 25

26 – 45

46 فأكثر

تستجيب كثيرا للطوارئ.

تستجيب بقوة للطوارئ.

مدمن الاستجابة للطوارئ.

والخلاصة إن إجابتك إذا وقعت في الفئة الأولى فهذا يعني أن مبدأ الطوارئ ليس هاما في حياتك. وإذا كانت الفئة الوسطى فغالبا ما يتحکم منهج الطوارئ في أعمالك، أما إذا كانت إجابتك تضعك في الفئة الأخيرة فإن الطوارئ أصبحت تتحكم في حياتك وعملك إلى حد الإدمان.
جدول (3)  

إدمان الطوارئ:

يعتاد البعض منا منهج العيش يوميا على أساس معالجة الأزمات، إلى حد أن العيش بهذه الكيفية يصبح مصدرا للمتعة والطاقة. كيف تشعر وأنت في حالة طارئة؟ مضغوط! قلق! مجهد! أكيد.. ولكن دعنا نصارح أنفسنا بأن هذا يحقق لك أيضا شعور بالسعادة، فأنت تشعر بأنك مهم، ومفيد، وناجح، وقوي. وبمرور الوقت نتقن العيش في ظل هذه الظروف. أي كلما ظهرت مشكلة نستنفر قوانا، وننهي الأزمة، ونخرج منها أشبه بالأبطال. وهذا يحقق لنا نتائج فورية ويضمن لنا الاعتراف بالنجاح فوريا من كل من حولنا.

نحن نشعر بسعادة مؤقتة في حل المشكلات الطارئة. وعندما لا تكون المشكلات الطارئة مشکلات هامة نجد أن إلحاح الموقف الطارئ يكون من القوة بحيث يجعلنا مدفوعين إلى العمل لكي نضمن استمرار الحركة. فكل من حولنا يتوقع أن يرانا مشغولين ومحملين بالأعباء، وأصبحت تلك علامة تميزنا من بين الجميع. وهذا يعني: أنت مشغول فأنت مهم، أما إذا کنت غير ذلك فهذا شيء محرج. فهذا الانشغال الشديد بالعمل هو الذي يمنحنا الأمان. إنه يمنحك الدعم والشعبية والسرور. كما أن هذا الانشغال مبرراً جيداً للهروب من مواجهة الأمور الأكثر أهمية في الحياة. والعبارات التالية التي تصدر عن بعضنا تعبر عن ذلك:

" كان بودي أن أبقى معك بعض الوقت ولكني مشغول بأعمال اقترب موعدها وهي مطلوبة حالا. بالطبع أنت تُقدر ذلك "

" ليس لدي وقت لممارسة الرياضة، إنني أعرف أنها ضرورية، ولكن لدي الكثير من الأمور العاجلة التي تحتاج المعالجة، ربما قمت بالرياضة عندما تخف حدة العمل "

إن إدمان الطوارئ هو سلوك مدمر، يسد مؤقتا الفجوة التي توجدها الحاجات غير المشبعة. وبدلا من إشباع تلك الحاجات تتولى أدوات، ومناهج إدارة الوقت تغذية ذلك الإدمان، لأنها تضمن تركيزنا باستمرار على الأولويات اليومية التي تفرضها الطوارئ:

إن إدمان الطوارئ هو صفة مدمرة، مثلها مثل أية صفة من الصفات الإدمانية السلبية المعروفة، والقائمة الموضحة في جدول (4) تحدد صفات الحالة الإدمانية، وضعت من أدبيات علاج الإدمان. ومن هذه القائمة يمكن اکتشاف مدى التشابه الموجود بين أشكال الإدمان المختلفة سواء كانت أدوية، أو قماراً، أو نهماً للأكل، أو أي شيء آخر.

جدول (4) قائمة الخبرة الإدمانية:

1- الشيء محل الإدمان يرتب مشاعر مؤكدة يمكن توقعها بدقة.

2- يصبح هذا الشيء محور التركيز الأول، ويستحوذ على الاهتمام.

3- هذا الشيء يبعد مؤقتا الشعور بأي ألم، أو أية مشاعر سلبية أخرى.

4- إدمان هذا الشيء يوجد شعوراً  كاذبة بالأهمية، والقوة، والسيطرة، والأمن، والإنجاز، والمودة.

5- المشاعر أو المشكلات، التي من المفروض أن يعالجها الشيء محل الإدمان، تصبح في وضع أسوأ.

6- الإدمان يقلل من كفاءة الأداء ويدمر العلاقات.

إلى أي حد تطابق هذه الصفات مع حالة إدمان الطوارئ؟ وكم أن شعبنا غارق فيها! فأينما ذهبنا فالشعور بالطوارئ يسيطر على حياتنا، وعلى المناخ الفكري الذي نعيش فيه.

يقول Roger:" في إحدى الدورات التدريبية طلبت من مجموعة من المديرين العاملين في إحدى الشركات الدولية أن يملؤوا استمارات دليل الطوارئ التي أشرنا إليها سابقا. وبعد أن انتهوا من ذلك جاءني أحد المديرين العاملين في أستراليا بابتسامة على وجهه قائلا: " أنا لا أصدق !! إني مدمن فعلا على الطوارئ، وهذا أمر سائد في الشركة التي أعمل فيها، فنحن ننتقل من أزمة إلى أخرى. فلا أحد ينجز شيئا إلا عندما يأتي من يقول: إن الأمر عاجل"

أثناء ذلك دخل مدير آخر، مستمعا إلى حديث زميله، مؤيدة لما يقول، وأخذوا يتندرون بذلك، ولكن بمرارة. وبعد ذلك قال لي ذلك المدير: " إن زميلي هذا لم يكن من هذا الطراز عندما انضم إلى العمل معنا، ولكنه الآن مدمن على الطوارئ مثلنا جميعا "، وأكمل حديثه قائلا: " إنني لم أعد مدمناً فحسب بل أصبحت ممن يدفعون غيرهم إلى هذا الإدمان ".

من الضروري أن نتأكد من أن المشكلة ليست في الطوارئ، ولكن المشكلة في أنها أصبحت العامل المسيطر على حياتنا، بينما الأهمية ليس لها نفس السيطرة، فالأمر الهام بالنسبة لنا هو الأمر المستعجل. ونحن دائماً مضغوطون بمواجهة كل ما هو مستعجل. ونتيجة لذلك فنحن نضاعف من الفجوة ما بين الساعة والبوصلة. وكما يقول Charles Hummel في كتابه هيمنة الطوارئ: " الأمر الهام نادرا ما يتم إنجازه اليوم ولا حتى هذا الأسبوع. المهمة العاجلة هي التي تستدعي الفعل السريع. والإغراء المباشر للإلحاح هذه المهام العاجلة لا نستطيع مقاومته، وهي لذلك تستولي على كل طاقتنا. ولكن بعد أن يمضي قطار العمر، تتلاشى تلك الأحاسيس الخداعة بالهيمنة ويأتي بدلا منها الإحساس بالخسارة حيث نتذكر المهام الحيوية التي ما كان يجب أن نؤجلها، ولحظتها نكتشف أننا كنا عبيداً لهيمنة الطوارئ ".

إن الكثير من أدوات إدارة الوقت تغذي هذا الإدمان. فالتخطيط اليومي، وقوائم المهام العاجلة، تجعل تركيزنا يدور حول إنجاز الأعمال الملحة المستعجلة. وكلما زادت حدة الطوارئ في حياتنا قلت أهمية الأمور الهامة.

المصدر: كتاب إدارة الأولويات، الأهم أوّلاً - ستيفن ر.كوفي. ص 38-44. 

شاركنا بتعليقك