الصلاة عماد الدين، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصلاة راحة نفسية، الصلاة أول شيء يُسأل عنه الإنسان عند الحساب. لقد أصبح فهمنا السطحي واليابس لهذه الأوصاف النبوية المضيئة الواصفة للصلاة، وبل ترديدنا لها دون فقهها العميق وتطبيقها الكامل يحرمنا الخير الوفير لإقامتنا للصلاة الإقامة الصحيحة وبل الخطير في كل ذلك أن يحجب عنّا الغاية الحقيقية المتكاملة للصلاة التي من أجلها فرضت على الفرد المسلم وحدة بناء المجتمع المسلم وأداة حضارية لتغيير العالم المادّي الجشع!
إن إقامة الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام القوية الصلبة بل هي العمد الكامل للدين كله، الدين الشامل الجامع لكل نواحي الحياة البشرية الكريمة، إن إقامة الصلاة هي البذرة المنتجة للمجتمعات الصلبة المتوازنة وهي الجاذب الحضاري لتكوين وتشكيل حضارات ومدن رائدة مثل مكة والمدينة وبيت المقدس كانت المنطلق لتغيير العالم وهي التي تأسست على شرف المساجد الثلاث التي بنيت عليها، وليست من الصدف أن تكون تلك المساجد الثلاث الوجهة وغاية شد الرحال لتحقيق العبودية لله.
لقد كان بداية عمران مكة في وقت سيدنا إبراهيم عليه السلام المنطلق لتغيير العالم الوثني تلك الأرض القاحلة غير ذي زرع التي لا تحتوي على أي مقوم جاذب لبناء حضارة. كان الجاذب الحضاري الوحيد في الأرض الجدباء المباركة الآمنة إقامة الصلاة. لكن الجاذب بناء قبلة الصلاة وغاية المصلين، كان الهدف من الاستقرار في الأرض المباركة قول سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبـَّنَآ إِنـِّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيـَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبـَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ..﴾ إبراهيم: 37.
لقد كانت البذرة الأولى لإنشاء المجتمع الأول في مكة إقامة الصلاة، ذلك المجتمع الرباني الذي خرج منه إمام المرسلين ورسول العالمين سيدنا محمد ﷺ، المجتمع الصلب الصالح الذي عمّر المسجد الحرام واتخذ من إقامة الصلاة مادة أولية لحضارة التوحيد في مكة بل في العالم أجمع:
وإن حصر الصلاة في بعد واحد "راحة نفسية" أو "إسقاط فرض" وعزلها عن معانيها المتعددة العظيمة هو الذي جعل من الصلاة عادة حركية يقوم بها الإنسان حتى يبرأ ذمته، ناسيا أو متناسيا جوهر الغاية من تكريم الإنسان بها بأن فرضها من سابع سماء.
﴿.. اتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ العنكبوت: 45.
إن إقامة الصلاة صنعة دنيوية وفضل رباني تساهم في عمران الأرض ونفي المنكر عنها وفيها ونهي الفحشاء التي تؤدي إلى الفساد هادم الحضارات وعدو الإستخلاف في الأرض، الصلاة مدرسة نفسية تربوية ودورة تدريبية دائمة تنزع عنه قاتلات مهمته الربانية المنكر والفحشاء بنات الفساد وممهداته.
غاية الإنسان الحضارية هي عمران الأرض واستخلاف الله في الأرض وكل العبادات على رأسها الصلاة هي وسائل تعبر عن المهمة وتساعد الإنسان على تحقيق تلك المهمة التي خلق من أجلها من خلال توفير الزاد اللازم له لمواصلة طريقه المبارك لمعرفة الله وتعريف العالمين به.
كل الناس تنشد التغيير والعالم الإسلامي المثالي القوي، لكن نخبة من الناس كانت أرقى فكرا وأجمل عزما فأفنت مجهودات ضخمة في إيجاد نظريات حضارية تعمل على نقل الإنسان إلى القيمة الوجودية التي أعطاها الله له والنهضة بالمجتمعات الى صناعة الحضارة الراقية، عمالقة النهضة أفنوا الأعمار للتنظير لوسائل النهضة وأهميتها في نقل المجتمعات الإسلامية إلى قيادة العالم المجرد المادّي، لكن بقت تلك النظريات أحلاما ننشدها وترفا فكريا تختص به النخب الراقية، أفكار بعيدة عن العامّة التي لم تفهم النظريات ولم تعرف آلية تطبيقها على الحياة اليومية البسيطة، هذا ما جعل الهوة الضخمة بين النخب والعامة و بين فكر النخب و سلوك المجتمع يزدادا اتساعا وشساعة، الصلاة هي الوسيلة المهمة التي تجسر هاته الهوة بين النخب والعامة و بين فكر الانسان وسلوكه وهي الأداة اليومية لإسقاط قيم النهضة في حياة العامة، ذلك لن يكون إلا: بفهم أن الصلاة هي الوسيلة الحضارية التي يطبقها عامة الناس والتي تؤدي الى النهضة التي تنشدها نظريات النخب.
والخلاصة:
أن الصلاة هي منطلق النهضة وبداية الإستخلاف تلك العملية التراكمية المرتبطة بالصبر والاصطبار، الوسيلة التي تعطي الإنسان والمجتمع القابلية لتلقي سنة العون الإلاهي التي بها يكون التمكين والنصر وأنها لكبيرة إلا على الخاشعين المتدبرين المالكين لوسائل الفكر والعقل والتجريد الموصل لله، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ البقرة: 45.
-بتصرف-
المصدر: منصة مقال كلاود
شاركنا بتعليقك