نقصد بالقولبة هنا وضع الأبناء في قالب معين وإطار محدد لا يمكن تجاوزه أو التخلي عنه، وهذا خطأ فادح يقع فيه كثير من الآباء والأمهات، فالأب الطبيب يريد أن يصير ابنه طبيباً مثله فهو يمنعه من اللعب ويظل طوال الليل والنهار يحدث ابنه عن التفوق ويجلسه ليذاكر دروسه _عنوة طبعا_ ولا يسمح له بأي متنفس آخر، وليس له الحق في ممارسة أي هواية أخرى. فهوى يعتبر ذلك تضيعاً للأوقات بلا فائدة، وعندما يكبر الصغير ويتهيأ لدخول الجامعة لا يسمح له سوى بدخول كلية الطب ليصير طبيبا مثله....بل يعتبر الطفل أحياناً وسيلة الوالدين لتحقيق مالم يستطيعوا أن يحققوه لأنفسهم وهم في نفس عمر ابنهم في مختلف النواحي العلمية أو المهنية والفكرية، فالأب الذي كان يطمح أن يكون طبيباً يوماً ما ولم تمكنه قدراته من ذلك وانتهى به الأمر إلى أي عمل آخر، يعوض عن ذلك بضغطه على الابن لتحقيق ما لم يستطع تحقيقه، ويزج بالطفل إلى مجالات لا يصلح لها بالمرة لأنها لا تناسب مع ميوله واتجاهاته، وهذا ناتج لضالة الثقافة التربوية والنفسية.
ونجد بعض الآباء ممن حفظ القرآن الكريم لا يريد ابنه أو بنته إلا من حفظة القرآن الكريم، ولو كانت إمكاناته الصغيرة وقدراته العقلية والمهارية لا تتحمل ذلك، فيظل يضرب ويقسو عليه ويرسله لكتاتيب التحفيظ ويمنعه من اللعب والمرح حتى يصير مثله من حفاظ القرآن الكريم، وغير ذلك من أمثلة الآباء يضعون أبنائهم في قالب معين محدد لا يسمح لهم بتجاوزه، وهنا أمور لابد من معرفتها:
أوّلاً: ليعلم الآباء أن لكل إنسان شخصيته المستقلة التي تختلف عن الآخرين وقد تتفق معهم في بعض الصفات. وعلينا تقبل ذلك المبدأ أولا فليس بالضروري أن يصير ابني مثلي، لأن له شخصيته المستقلة كما أن لي شخصيتي كذلك.
ثانياً: لابد من معرفة شيء مهم وهو اختلاف الفروق الفردية بين البشر عموما، فقد يتفوق الابن دراسيا بينما الأب لم يكن كذلك، وقد لا يهوى الابن العمل الحِرفي بينما يكون الأب متميزا في حرفة ما أو مهارة من المهارات، وقد يتميز أحد الأبناء رياضياً وقد يكره شقيقه وربما توأمه ممارسة الرياضة أصلا فالاختلاف بين البشر شيء طبيعي.
ثالثاً: ليس بالضرورة أيها الأب، وأيتها الأم، أن يكون ماتحبه أو تمارسه صحيحا، وبمعنى آخر (ليس بالضرورة أن تكون كما ترى نفسك) فكثير منا لا يرى عيوبه وقد نظن أن ما نفعله أو نعتقده هو الصحيح مائة بالمئة، فهذا الأب الذي يريد أن يضع أبناءه في قالب من أفكاره وعاداته ينسى أنه كما يرى نفسه صواباً وفي الطريق الصحيح فإن آخرين يختلفون معه وربما كانوا الأصوب منه. وقد رأينا رجالاً عندما يتعاملون مع الآخرين لا تعرف الابتسامة طريقا إلى وجوههم بحجة الوقار والهيبة وهم مقتنعون بذلك تمام الاقتناع رغم أنه مخالف لجميع المبادئ التربوية والأعراف الإنسانية، حتى إن نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم قال: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة" فهذا الأب لا يسمح لابنه كذلك بالتبسم أو الضحك إلا قليلا حتى يكسب ابنه الوقار والهيبة _كما يزعم _ فهذه قولبة خاطئة فنكرر ما سبق: (ليس بالضرورة أن تكون كما ترى نفسك).
رابعاً: عدم التعجل في صناعة شخصية متميزة، لأن التعجل هذا يضطرنا لوضع الصغار في قالب يبتعد بهم عن عالمهم الخاص بهم، بالتالي يفتقدون لمقومات التنشئة السوية نفسيا وسلوكيا، فنحرمهم من اللعب مطلقا بدافع المذاكرة ونحرمهم من التنزه لأنه تضييع للمال والوقت أو لأننا كنا كذلك ونحن صغار.
المصدر: كتاب أحسن مربي في العالم، محمد سعيد مرسي، دار المجدد. ص 24،25.
شاركنا بتعليقك