كان رسول الله كثير التضرع والدعاء والاستعانة بالله، وخصوصا في غزواته وعندما اشتد الكرب على المسلمين أكثر مما سبق حتى بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالاً شديدا، فما كان من المسلمين إلا أن توجهوا إلى الرسول وقالوا: يا رسول الله هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر، فقال: نعم. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول ﷺ علـى الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم، فاستجاب الله سبحانه دعاء نبيه ، فأقبلت بشائر الفرج فقد صرفهم الله بحوله وقوته، وزلزل أبدانهم وقلوبهم وشتت جمعهم بالخلاف، ثم أرسل عليهم الريح الباردة الشديدة، وألقى الرعب في قلوبهم، وأنزل جنوداً من عنده سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ الأحزاب: 9.
وحرص الرسول عليه الصلاة والسلام أن يؤكد لصحبه ثم للمسلمين في الأرض، أن هذه الأحزاب التي تجاوزت عشرة آلاف مقاتل لم تهزم بالقتال من المسلمين، رغم تضحياتهم، ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده، فعن أبي هريرة أن رسول الله كان يقول: "لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده".
ودعاء رسول الله ربه، واعتماده عليه وحده لا يتناقض أبدا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد تعامل في هذه الغزوة مع سنة الأخذ بالأسباب، فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصار، وغير ذلك من الأمور التي ذكرت.
إن رسول الله يعلمنا سنة الأخذ بالأسباب وضرورة الالتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له؛ لأنه لا تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوافر وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، فقد كان الدعاء والتضرع إلى الله من الأعمال المتكررة الدائمة التي فزع إليها رسول الله ﷺ في حياته كلها.
-بتصرف-
المصدر: كتاب غزوات الرسول، دروس وعبر وفوائد، علي محمد الصلابي.
شاركنا بتعليقك