إسهامات

تفتقر الكثير من العائلات والأسر إلى مبادئ أساسية في التعامل مع الأطفال وتربيتهم، والتي تستطيع من خلالها تجنب حالات سلبية عديدة في حياة أولاده، فرغم تعدد السلبيات التي يقع فيها الآباء والأمهات في التعامل التربوي مع أبنائهم.. وكثرة البحوث العلمية والتطبيقية حول أفضل الطرق التربوية.. يعد اختلاف الأب والأم في تربية الأولاد من أكثر المشاكل تكراراً في الأسر ومن أعمها ضرراً وأبلغها أثراً وأسرعها ملاحظة وظهوراً.

وتأتي هذه الحالة عندما يقوم أحد الطرفين (الأب أو الأم) بتربية أحد أبنائهم بطريقة معينة وفق فكر معين، ويأتي الطرف الآخر لينقض تلك التربية وذلك الفكر بفكر وطريقة مختلفة، قد تصل حد التضاد، ما يُوقع الابن في حيرة مركبة، ويضيع بالتالي تعب الطرفين في تحقيق أي أثر ناجح في تربيتهما. 

ونجد في بعض الأسر اختلاف حول وجهات النظر في تربية الطفل بين الأم والأب كأن يؤمن الأب بالصرامة والشدة بينما تؤمن الأم باللين وتدليل الطفل أو يؤمن أحدهما بالطريقة الحديثة، والآخر بالطريقة التقليدية.

تشتكي إحدى الأمهات بالقول: "إنني أدعو ابني دائماً للصلاة في المسجد مع والده، وأحثه على ذلك، وأذكر له فوائد الصلاة مع الجماعة وأجرها ومكانتها إلا أن الغريب في الأمر أن زوجي يرفض ذلك، ويقول لابني: إن صلاته في البيت أفضل.. وعندما واجهته بذلك في حضور ابننا قال بأنه يتحرك كثيراً ويصدر أصواتاً ويتأخر عن التقيد بحركة المصلين.. ما يجعل صلاته في البيت أولى كي لا يزعج المصلين".

وتتابع الأم بالقول: "زوجي مخطئ وقد أخبرته بذلك.. وخطؤه الأساسي أنه أخبر ابننا أن صلاته في المنزل أفضل، ولو كان أخبرني بهذه المشاكل.. لاتفقنا على طريقة ننهي بها مشكلة الحركة الكثيرة لابننا في المسجد، بدل أن ننهي بها صلاته في المسجد.. وأعتقد أن فكرة صلاته في البيت أفضل ستبقى في رأسه لسنوات طويلة.. وسيتخذها عذراً في كل مرة يتكاسل فيها عن الذهاب إلى المسجد.."

إذ تتنوع وتتشعب جذور هذه المشكلة في معظم المنازل، ولا يكاد يخلو منزل أو أسرة إلا وعاش أفرادها نماذج كثيرة من هذه المشاكل.. التي تؤثر في الأبناء تأثيراً بالغاً.

يقول أحد الآباء: "استطعت –ولله الحمد– أن أربّي أولادي الثلاثة على الكثير من العادات الإسلامية والأخلاق الحميدة.. ومنها آداب تناول الطعام وحفظ القرآن والتعامل مع الكبار وحسن الاستماع والإصغاء والتلطف مع الصغار والحيوانات واحترام وتقدير الأبوين وغيرها..

ولكن وجدت صعوبة بالغة في التعامل مع ابني الصغير محمد، فالمشكلة أنني لم أغيّر شيئاً في تعاملي معه عن باقي إخوته الثلاثة ولم أفرّق بينه وبينهم، إلا أنني فشلت في تعليمه الكثير مما علمته لإخوته، ولكن بعد مدة اكتشفت السبب، وهو أن والدته تميزه عن إخوته وتكافئه في المصروف والمعاملة والتقدير والعاطفة أكثر منهم، والمشكلة الأكبر أنها وبعد أن أقوم بتأنيبه مثلاً على أمر ما أو أضربه لسبب ما، تسارع إلى أخذه إلى غرفة أخرى وتطيّب خاطره وتعطيه بعض الألعاب أو الحلوى كي لا يبكي ويغضب ولا تلومه على ما ألومه عليه، ويشير أيضا إلى أنه يكاد يفقد السيطرة على ابنه، وقال: "حتى دروس تحفيظ القرآن بات يتأخر عنها بحجة أن الشمس تزعجه وأنه لا يطيق المشي تحتها، وكله بسبب دلال أمه وتربيتها له بطريقة تتناقض مع تربيتي بحجة أنه الصغير المدلل وأنه سيبقى معنا عندما يتزوج البقية في المستقبل"!

على من تقع سلبيات الاختلاف التربوي؟

المشكلة الحقيقية لا تقع على الآباء والأمهات –مع كل أسف– رغم أنهما المعنيّان الأساسيان في هذه القضية، بل تقع على الأبناء الذين يحتارون بين أفكار الأب والأم وبين طرق تعامل الأب والأم، ويؤثر ذلك على مستقبل الأبناء أنفسهم.

فالرسالة التربوية التي يحرص الأب على إيصالها ستضيع ويتلاشى أثرها إن قامت الأم بتوجيه رسالة تربوية مغايرة لها، ورسالة الأم ذاتها تضيع في ظل وجود رسالة الأب، وفي معظم الأحيان يختار الأبناء الرسائل التي تتماشى مع أهوائهم وميولهم ورغباتهم.

على سبيل المثال: أحد الأطفال كان يتابع التلفاز مع والده الذي كان يحضر مباراة في كرة القدم، ولأن الأب متحمس للمباراة، رأى أن وجود ابنه البالغ من العمر 7 سنوات مناسب لحالة انفعالاته ومتابعته، وعندما طلبت الأم من ابنها الذهاب للنوم كي يستيقظ نشيطاً في الصباح قبل الذهاب إلى مدرسته رفض الابن، وحينما أصرت الأم، طلب الابن من أبيه أن يدعه إلى جانبه لمتابعة المباراة، ما حدا بالأب أن يلغي طلب الأم ويسمح للابن بمتابعة المباراة، وهذه الحالة ولَّدت لدى الطفل حالة رفض أو قبول لطلب أمه في النوم باكراً، فإن كان تعباً ونعساً امتثل لأمرها وإلا فإنه يطلب السهر ويرفض النوم.

إن من أهم المشاكل التي قد تظهر على الأبناء نتيجة هذه الطريقة المتضاربة في التربية:

1. كره الطفل لوالده وميله للأم، وقد يحدث العكس.

2. يمكن أن يحدث للطفل صعوبة في التمييز بين الصح والخطأ، أو الحلال والحرام.

قد يميل الطفل ويرتبط بأمه ما يؤدي إلى تقمص صفاتها الأنثوية فتبدوا عليه علامات الرقة والميوعة، والعكس صحيح مع البنت التي تتعلق بأبيها وتتقمص صفاته الرجولية.

وكيف يمكن تجنب ذلك؟

الحوار والنقاش المسبق بين الآباء والأمهات هو أقرب الطرق وأسهلها لتلافي حدوث أية مشاكل من هذا النوع بين الطرفين.

ولعل من المناسب جداً أن يكون هناك اتفاق مبدئي بين الأب والأم على عدم قيام أي طرف منهما بتوجيه رسالة تربوية مخالفة للرسالة التي وجهها أحدهما لتوه إلى الأبناء، خاصة أمامهم، وفي حال خطأ أحد الطرفين أو فرض عقوبة معينة أو توجيه رسالة تربوية معينة يراها الطرف الآخر خاطئة، يجب عدم لفت انتباه الطفل لذلك، ومن ثم النقاش حول صحة وخطأ هذا التصرف في مكان آخر بعيداً عن أعين الأبناء، مع الحرص على عدم المشادات أو الاختلاف بين الطرفين أمام الأبناء، فذلك يولد لديهم إحساساً بأن الخطأ قابل لأن يكون صواباً، وأن الصواب قابل لأن يكون خطأ في ظل غياب أحد الأبوين.

_بتصرف_

المصدر: موقع مسلم

شاركنا بتعليقك