أصبح للإعلام الجديد تأثير كبير في مخاطبة عقول ونفوس الشباب، ووسيلة هامة في منظومة القيم، بل أمسى له تأثير في مجرى تطور البشر.. ويختلف التأثير والتأثر بحسب الوسيلة الإعلامية ووظيفتها، وطريقة استخدامها، والظروف الاجتماعية والثقافية للأفراد والمجتمعات، وقد يكون التأثير سلبيًّا وقد يكون إيجابيًّا.
والتأثير من المصطلحات المشهورة في الإعلام والاتصال حيث يعرف بأنه "ما تحدثه الرسالة الإعلامية في نفس المتلقي (المتأثر)، وكلما استجاب المتلقي للرسالة، تعد الرسالة الإعلامية قد أحدثت تأثيرها، ويكون القائم بالاتصال قد حقق الهدف من الاتصال".
الفرد يتلقى هذه المنبهات أو يستقبلها في شكل نبضات عصبية تأخذ طريقها إلى المخ، ثم يميز المخ بين هذه المنبهات ويختار بعضًا منها يخضعها للتفكير بعد أن يكون قد قام بفك كودها، ثم تحدث بعد ذلك عملية الاستجابة.
مجالات تأثير الإعلام الجديد
التأثير الثقافي والمعرفي: الشباب هم الفئة الأكثر تأثرا بالرسائل الثقافية والمعرفية التي تتضمن الأكواد والرموز، التي لا يستطيع جلهم حل رموزها ومعرفة أبعادها نتيجة شح رصيدهم الثقافي والمعرفي بتراث الأمة وانبهارهم بالتكنولوجيا الحديثة، ولم يعد مهتمًّا بما يجري من أخبار في الجريدة أو التلفاز أو الإذاعة بما يسمى الإعلام القديم، وأصبح الإعلام الجديد -بكل وسائطه- يسيطر على اهتمامات الشباب تأثرًا وتأثيرًا، فإذا أراد أحدهم أن يخبر صديقه عن مكتبة زاخرة بالكتب، يختصر له الكلمات في رابط قد لا يتجاوز السطر، أو إذا أراد أن يخبره عن مشهد مثير يقول له: "ادخل على اليوتيوب وطالع الحدث".
والرسالة التي يحملها الإعلام الجديد إلى العالم الإسلامي، هي ترسيخ الثقافة الغربية في عقول ونفوس الشباب؛ فمعظم الأفلام والرسوم المتحركة والأفكار التي تبث في جميع وسائل الإعلام الجديد، تُمجّد الرجل الأمريكي أو الغربي الذي يتصدى للجميع ويحاول أن يساعد الجميع، بالإضافة إلى الرسائل التبشيرية للديانة المسيحية واليهودية من جهة الغرب، ومن جهة الشرق: رسائل الإلحاد الوافدة من الديانات الشرقية المعروفة، بالإضافة إلى تشويه صورة الدين الإسلامي وتصويره على أنه دين الإرهاب العالمي والتخلف والهمجية، وأن العرب ما هم إلا رعاة إبل ينتشرون في الصحارى لا علاقة لهم بالحضارة، وهذه الصور تدرّس حتى في منظومتهم التربوية، ويمكن أن نلخص التأثير الثقافي والمعرفي في الشباب في هذه النقاط:
♦ وسائل الإعلام الجديد تعيد صياغة طريقة التفكير لدى الشباب والحكم على الأشياء، وهكذا يتحول تفكيرهم تدريجيًّا إلى تفكير صناع القرار في الإعلام الجديد، أي البرمجة العقلية والذهنية لدى الشباب بما يتماشى وأهدافهم القريبة والبعيدة.
♦ الإعلام يؤثر على طريقة التفكير والتصرفات لدى الشباب، فهم يقلدون في كل شيء، مما يفقدهم القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب.
♦ نتيجة انبهار الشباب بتكنولوجيا الغرب، أصبح يصدِّق كل الإشاعات والأخبار الصادرة من الغرب.
التأثير الأسري والمجتمعي: أصبحت الأسرة اليوم تعتمد على التكنولوجيا الرقمية التي سيطرت على الجو العائلي؛ فبرامج التلفاز حلت محل حكايات الجَدَّة، والبرامج التعليمية حلت محل تعاليم الأب والمعلم، وهواتف اليد حلت محل هاتف البيت.. وهكذا لم يعد الأب هو المراقب والمسيطر على الوضع داخل الأسرة وخارجها، حيث يمكن للطفل أن يشاهد ما شاء على التلفاز، وقد تملك البنت أرقام هواتف خارج إطار الأسرة، ويمكن لهم الاتصال بالآخر بالصوت والصورة والفيديو أحيانًا، دون الانتباه إلى أضرارها المادية والمعنوية وتهديدها لكيان الأسرة وقطع أواصر العلاقات الاجتماعية.
ويمكن أن نلخص الآثار السلبية الأخرى فيما يلي:
♦ نقل أنماط الحياة الغربية إلى المجتمع الإسلامي يؤدي إلى خلخلة نسق القيم في عقول الشباب.
♦ السهر وعدم النوم مبكرًا والجلوس أمام التلفاز أو جهاز الكمبيوتر دون الشعور بالوقت وأهميته، له الأثر السلبي على التحصيل الدراسي والواجبات الضرورية.
♦ المضامين الإعلامية الموجهة إلى الشباب غير هادفة في أغلبها.
♦ تمرد الأبناء على التراث الإسلامي وانبهارهم بالمدنية الغربية وما تنتجه من تكنولوجيا.
التأثير الأخلاقي والسلوكي: يتميز الإعلام الجديد بأن له تأثير مباشر على الجانب الأخلاقي والسلوكي، فهو يعزز لدى الشباب الممارسات غير الأخلاقية من خلال ما يشاهدونه عبر القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت، الأمر الذي يؤدي إلى التمرد على القيم الدينية والعادات الاجتماعية السائدة، والسخرية من العلماء، وتفشي الرذيلة، والتشكيك في قيم الأمة ومعتقداتها ومكنوناتها.
والقيم الأخلاقية مسؤولة عن توثيق العلاقة بين أفراد المجتمع وحفظ توازنه، وحينما يتجرد الإعلام عن الأخلاق يصبح يلبي رغبات جهات مشبوهة تكنّ العداء للمجتمع الإسلامي النظيف، وقد نجح الإعلام الغربي في تفكيك عقول الشباب وإعادة بنائها، وأمسى الشباب لا يثق إلا بما تقوله وسائل الإعلام الغربية، وبالتالي يستحيل أن نتصور علاقة طبيعية بين مثل هذا الإعلام وبين القيم الأخلاقية، والواقع يثبت هذا التصور، فكل السلوكات الشاذة التي تصدر عن شريحة كبيرة من الشباب، سببها الإعلام بكل وسائله الحديثة.
ويمكن أن نلخص جملة من مظاهر تأثير الإعلام الحديث على المستوى الأخلاقي والسلوكي في هذه النقاط:
♦ تدل الإحصائيات أن الأحداث التي يقوم بها بعض المنحرفين، قد اقتبسوا أفكارها من جلها من وسائل الإعلام.
♦ هناك مواقع وقنوات تروِّج لكثير من العادات السيئة، وترسخها في ذهن الشباب.
♦ كثير من القنوات وصفحات الإنترنت، تثير في الشباب السلوك العدواني من خلال مواقع الألعاب.
♦ يستعمل الأطفال حاسة البصر أكثر من استعمالهم للحواس الأخرى، وهذا يؤدي إلى عدم التوافق والتوازن في القدرة التحليلية أثناء التفكير.
يبقى الإعلام الإيجابي ووسائله من أهم عوامل نقل الحضارة، وإشاعة الثقافة الجادة، ودعم الفكر الصالح، وبث القيم الصحيحة في العادات والسلوك، وإصحاح البيئة الإنسانية والمجتمع البشري، وتحقيق التواصل الاجتماعي والثقافي بين الأفراد والجماعات والأمم؛ ولذا فإن اهتمامنا بالإعلام البديل للحفاظ على الشباب من الانحراف والتأثر بالإعلام الجديد، هو في حقيقة الأمر تأسيس لبناء حضارة إنسانية يتعايش فيها الجميع مهما اختلفت الأديان والأعراق والألوان؛ ذلك لأن الرسالة المحمدية هي رسالة عالمية تحمل المنهج الأقوم للحياة الفاضلة التي تحقق السعادة لبني الإنسان.
واليوم قد دخلنا مرحلة حاسمة، تتطلب منا القيام بأعمال ملموسة لصيانة الشباب، الذي هو حصن الأمة في المستقبل، وذلك من خلال تكثيف اللقاءات العملية والتكوينية في مجال الإعلام، والسعي إلى تطويع هذه الآليات "التقنية الحديثة"، واستنباط وسائل حديثة في الاتصال الإلكتروني تستخدم في تحقيق هدف المشروع الحضاري الإسلامي في تنوير وتحرير عقول الشباب من القيود المادية، وتأهيله للقيام بدوره الحضاري باستخدام أدوات وآليات الإعلام.
-بتصرف-
المصدر: موقع مجلة حراء
شاركنا بتعليقك