قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الروم: 21، قال بعض علماء التفسير: المودة والرحمة هما الطفل الذي يقوِّي العلاقة بين الزوجين، ويجعلها أكثر أمناً واستقراراً.
طبيعة الأبوة والأمومة يجب أن تجسد كل معاني الرحمة والمودة والحب، ولكن في بعض الأحيان يغيب هذا المعنى عن الكثير.
والعلاقات بين الآباء والأبناء من أقدس وأقوى العلاقات في المحيط الإنساني وحب الأم بصفة خاصة حب غريزي وفطري، لا يقدر إنسان على منعه أو دفعه، وبنجاح تلك العلاقة تسعد الأسرة ويخرج للمجتمع جيل قوي على قدر كبير من الوعي والثقافة والدين.
ولكن إذا لم يكن بنيان الأسرة قويا وجيدا، ولم يزرع الأب في أبنائه الفضائل والخلق والدين ولم تجمل الأم هذا البناء بالعطاء والحنان والمساواة، ماذا يمكن لنا أن نحصد غير أسرة مفككة ؟!!! غير سوية فاقدة للثقة والاطمئنان، وقد وجهنا الإسلام إلى المساواة بين الأبناء، في كل شيء.. ولكن للأسف !! لقد سادت وانتشرت ثقافة بعيدة كل البعد عن الإسلام وأحكامه ومبادئه. ثقافة تجعلنا نفضل أخا أو أختا عن بقية إخوتهم ندلل أحدهم ونقسو على الآخر، أو نفضل جنسا عن آخر، ونعاقب أو نغفر لمن نشاء.
ترى بماذا يشعر الابن الذي يعامل من قبل أبويه بصورة أقل من أخوته، وكيف تكون ردود فعله؟ يشعر بالدونية والنقص وبأنه غير محبوب، ويصبح انطوائي يمتنع عن العالم الخارجي، ولا يقبل المفاهيم الدينية ويتحول إلى شخصية حزينة، أو شخصية عدوانية غير سوية .يشعر دائما بالحقد والضغينة تجاه أسرته وإخوته بصفة خاصة، وتجاه المجتمع بصفة عامة.
لو تفكرنا قليلا فيما عساه أن يفعل في وضعه ذاك؟؟؟ هناك من يستطيع المقاومة والصمود، ولكن تظل المرارة والأسى تغلف حياته، أو الخوف أن ينقلها لأبنائه بوعي أو بدون وعي وكثيرا ما يحدث ذلك للأسف، هناك من يردعه إيمانه ويصمت ويصبر .وتختلف ردة الفعل حسب الشخصية والإيمان والبيئة وغيرها، وإذا لم يتوافر الوازع الديني للشخص فحدث ولا حرج .كل ذلك وأكثر بسبب عدم إظهار الحب لأبنائنا والتفرقة المادية والمعنوية.
... وإليكم جزء من قصة سيدنا يوسف عليه السلام وإخوته: قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ يوسف: 7-9. ومن شرح علماء التفسير لتلك الآيات :نستطيع أن نفهم ما يلي لقد كان في قصة سيدنا يوسف بن يعقوب عليهما السلام العبرة والمثل لمن أراد أن يعتبر.. ولمن أراد أن يرى قدرة الله سبحانه وتعالى، لقد ظن إخوة يوسف أن أباهم يفضل يوسف عليه السلام، وأخاه الشقيق عليهم ويوثرهما في المحبة فماذا كان منهم؟ اتفقوا أن يقتلوا يوسف! أو يلقوا به في أرض مجهولة بعيدا عن أبيه! ليستريحوا منه و يبقى لهم حب أبيهم وتفضيله، ولا يلتفت إلى غيرهم.. وأضمروا في نفوسهم أن يتوبوا بعد ذلك ( وهي توبة فاسدة لا تصح لأنها قبل الذنب ..) وخلاصة ما نراه في تلك الآيات، وينبغي أن يتعلمه الآباء هو: ينبغي ألا نظهر الحب، أو الإيثار لأحد الأبناء على حساب الآخرين، وإذا أستحق أحد الأبناء المزيد من الرعاية أو الحب لظروف معينة مثل المرض أو صغر السن أو غيرها، يجب ألا يظهر الوالدين ذلك قدر الإمكان، حتى لا يترك ذلك أثره في قلوب أخوته، فنحن لا نعلم ماذا يمكن للغيرة أن تفعل بأصحابها ؟ ومدى الضرر والإيذاء الذي يمكن أن تسببه تلك الغيرة ؟
فكم من آباء يرفضون أن تأخذ الفتاة حقها الشرعي في الميراث، خوفا من سيطرة زوجها! أو لأن ما لديها يعود بالطبع لزوجها وأبنائها، و هم في النهاية لا يحملون اسم العائلة. وآخرون يجبرون الفتاة على بيع نصيبها في الأراضي أو العقارات وغيرها، وأحيانا بالتنازل لإخوتها. وكذلك لا يقتصر الأمر على الفتاة فقط، بمعنى إجبار أو طلب أو إحراج ابن أو ابنة أو مجموعة أبناء على التنازل لأخ. قال تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾ النساء:7 وللأسف الشديد، الأمر لا يقتصر على التفرقة المادية فحسب، بل المعنوية أيضا......و للأسف فالكثير من الأسر لازالت تعيش الجاهلية برغبتهم في إنجاب الذكور خاصة وكرههم للإناث فلم يراعوا الله في حقوق بناتهم المادية أو المعنوية.
وإليكم تلك القصة الواقعية لمعاناة ابن:
أب يفرق في المعاملة بين ولديه، يحب أحدهما ويلبي كل طلباته على حساب الآخر! في البداية، يدخل ابنه المفضل مدرسة متميزة ويرفض دخول الآخر.
تستنجد الأم بكل من حولها من طرفها أو من طرفه، لا جدوى من الكلام معه! تجمع مصروفات المدرسة من جده لأبيه تارة، ومن أخواله تارة، ومن أعمامه تارة أخرى.. ولكن كيف لهذا الابن أن ينجح أو يستمر ؟ فشل الولد بعد كل هذه المعاناة في الحصول على الثانوية العامة، وفشل في أن يجد عمل مناسب، وعندما وجد العمل لم يستطع الاستمرار.. كان بصيص الأمل له -أن الأب كثير السفر- وكانت تلك فرصة الأم في تلبية بعض متطلباته الأساسية.. وكان الأب يؤكد دائما على الاهتمام بالصغير (الفرق بينهما 3 سنوات) وتلبية متطلباته حتى ولو كانت متكررة أو غير أساسية.. ويمنع عن الكبير كل أساسيات الحياة اللهم إلا الطعام. ولكن للأسف لم يدم هذا البصيص طويلا سيستقر الأب في بلده ولن يسافر بعد اليوم. وأظلمت الدنيا من جديد في عين الابن. فلا يجتمع الأب وابنه نهائيا. طالما الأب في البيت، يهيم الولد على وجهه في الشوارع. والله لقد كانت الأم تحكي والدموع تغرق وجهها شهر رمضان الكريم شهر الرحمة والغفران، كان الولد يظل في الشارع مع القطط والكلاب الضالة إلى أن يطمئن لنوم أبيه حتى يصعد، وكثير من الأوقات يؤذن عليه الفجر وبالطبع يصوم بدون سحور. بالإضافة إلى معاناة الإفطار، فهو يفطر بمفرده والأسرة كلها مجتمعة معا!.. هذا الأب لا ينطق اسم ابنه هذا نهائيا! وفي المقابل يظل يتكلم عن أخيه، وكيف فعل هذا وكيف أبدع في ذاك وهكذا ماذا طلب وغيرها ؟ أين هو من حديث رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم: " اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم " في إحدى المرات جدة الولد لأبيه عنفت ولدها ونهرته على ما يفعله مع ابنه ..فما ظنكم ماذا قال لها؟ ليس له عندي إلا الطعام والكفن فقط! ويلبس ما يتركه له أخوه. ما أقسى تلك القلوب المتحجرة، بل هي أشد قسوة منها رباه رحماك من هذا الظلم. ألم يسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ؟.فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
من المسؤول عن هذا الابن وأمثاله ؟ هذا الابن الذي لا يعرف أخواله أو خالاته إلا صورا ولا يعرف أعمامه أو عماته نهائيا لم يحضر جنازة جده لأمه وأبيه أو حتى عمه أو خالته.. ماذا ننتظر منه ؟
شاب في عمر الزهور جنى عليه والده بسوء المعاملة لا يريد أن يختلط مع أي فرد في المجتمع، وأخوه يتلذذ بما يفعل والده، بل ويقسو عليه في الكثير من الأحيان هو أيضا أي أب هذا ؟ وأي أخ هذا ؟ وأي حياة تعيشها تلك الأسرة ؟ وغيرها من الأسر المشابهة..
لقد وجهنا الإسلام إلى المساواة بين الأبناء في كل شيء حتى في التقبيل فأين نحن الآن يا أخواتي من هذه الآداب السمحة وهل نميل إلى ابن أو ابنة دون باقي الأبناء؟ أو هل نميل إلى جنس من الأبناء دون الآخر ؟ فلنقف مع أنفسنا قليلا ونفكر في حال أبنائنا ومدى الأذى النفسي الذي يقع عليهم والذي يمكن أن يصل مع البعض إلى مشاعر أسى وقهر ومع البعض الآخر يحل البغض والكره مكان الحب ومع آخرين ينشأ الخصام محل الوفاق والوئام ومن هنا تظهر العقد النفسية والانحراف. والكبت والعزلة بين الأبناء ويخلق جيل هش وضعيف غير قادر على التواصل مع الغير. فهل هذا حقا ما نريده لأبنائنا ؟ أخواتي نصيحة أوجهها لنفسي أولا ثم لكم جميعا.. المساواة ... المساوة بين الأبناء، المساواة المادية والمعنوية، المساواة في المديح والتدليل، أو حتى في العقاب ... حتى يشعر الابن أو (البنت) دائما بالثقة في النفس، ويستطيع النجاح في بناء علاقات طبيعية سوية، مع الآباء والأخوات والأصدقاء، ويكون أساسها الحب والثقة والاحترام المتبادل. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ التحريم: 6.
-بتصرف-
المصدر: موقع لكي
شاركنا بتعليقك