إسهامات

إن للحياة العلمية في وادي ميزاب جوانب مرموقة عبر التاريخ لا يمكن استيعابها ولا التحدث عنها بإسهاب، لأن ذلك يخرجني عن نطاق موضوع التاريخ السياسي، بما أن للثقافة بوادي ميزاب حساسية في الماضي السحيق وفي الحاضر فمن الواجب أن ألم من بعيد بشيء إلماما ولو كان مخلا.

إن الاباضية لما انتقلوا إلى وادي ميزاب لاستيطانه من سجلماسة ونفوسة وجربه وتيهرت وسدراته وغيرها من العواصم الإسلامية نقلوا معهم معالم حضارتها إلى تلك الربوع، من علوم وفنون وآداب فطبعوها بالطابع الحضاري الإسلامي الأصيل.

لما قدم إليها أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الريغي موفدا من رجال الإباضية بوارجلان لتنظيم الحلقة وسير العزابة ونشر المذهب الإباضي بها، وجد سكان وادي ميزاب على جانب كبير من الجهل والأمية والانحراف، وهم من الواصليين المعتزلة. وعادة التدخين والوشم متمكنة فيهم، فاستطاع بنشر الدروس الدينية والإصلاحية أن ينتزع من بين جنوبهم تلك العوائد السيئة، وكانت له رحلتان في الصيف والشتاء بتلامذته من واد ريغ، فاستقر في مدينة العطف وبنى بها مسجده الموجود إلى يومنا هذا. ويروى عنه أنه لما وصل إلى الوادي نادى في الناس: "من يعلمني في سبيل الله" فلم يجبه أحد ثم نادی: "من يتعلم في سبيل الله" فوجد إقبالا حسنا من البعض كوَّن منهم أول نواة لمهمته. فعلم وصابر وثابر فكلَّل الله مساعيه بنجاح باهر، وكوَّن نظام الحلقة (العزابة) في جميع مدن ميزاب، ونظم سيرها في إدارة تكفل للأُمة نجاحها وسعادتها في الدارين، فانكب الطلبة على العلم والتعليم وإليه يرجع الفضل في تركيز سير العزابة الغرَّاء في الوادي التي كانت السبب المتين في بقاء الدين الإسلامي بأصالته ونصاعته وجوهره إلى الآن في هذه الربوع.

ومما زاد في ازدهار العلم وانتشاره بالوادي، وفود كثير من فطاحل العلماء إليه من مختلف العواصم الإسلامية أغلبهم من نفوسة وتيهرت وجربة وسدراته فاستقروا في مدنه للتذكير والإرشاد والفتوى ونشر علوم الشريعة واللغة العربية وبلغوا رسالتهم بصدق وإخلاص، فجنى بهم الوطن يمنا وبركة وخيرا كثيرا أورثوه لمن بعدهم خلفا عن سلف منذ أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الحادي عشر الميلادي.

من العلماء الوافدين إلى غرداية الشيخ بابه السعد سنة 438ه 1046م هو مؤسس مدينة "بابه السعد". والشيخ بابه والجمه اسمه إبراهيم بن يونس سنة 542ه 1148م. والشيخ بابه عيسى علواني أتى من درنه من طرابلس سنة 548ه 1153م. والشيخ بامحمد بوسحابة أتى من قصر البخاري، والشيخ أبو الحجاج داود أتى من جبل نفوسة سنة 697ه. 1298م والشيخ سعيد بن علي أتى من جربه سنة 854ه 1450م، ومجلس عمي سعيد الذي يحمل اسمه أُسس يوم 13شوال 855ه 17فيفري 1452م، والشيخ بامحمد بن الناصر من سدراته 778ه 1377م ثم تتابعت المشايخ عليها.

ومن الوافدين إلى مليكة الشيخ باي احمد بن سليمان سنة 395ه 1004م والشيخ عيسى وأخوه الشيخ أو عيسى سنة 437ه 1112م والشيخ عبد الله بن أحمد بن محمود بن سيدي أمعمر بالعالية سنة 506ه 1112م والشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعیل بن موسى سنة 551ه 1164م ثم تتابعت المشايخ عليها.

كما توافدت على مدينة بن يزقن والقرى البائدة حولها مثل بوكيا وواقنوناي وتيريشين. وعلى مدينة العطف وبذوره مشايخ علماء أجلاء من مختلف العواصم الإسلامية منذ أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الحادي عشر الميلادي.

إذا كانت مدينة من مدن میزاب في حاجة أكيدة إلى علماء أو إلى سد نقص لجانب علمي فيها فإن المدن التي تتوفر لديهم الإمكانيات العلمية يمدونها بما يقيم أودها ويرفع مستواها العلمي. كما وقع ذلك بين مدينتي العطف وغرداية من انتقال الشيخ النشاشبي النفوسي بولده بابا وبربيبه يونس إلى غرداية بطلب من أهلها فتفرع من الأخوين لأم أولاد النشاشبة وأولاد يونس ذلك لنشر العلم وكانت طريقة التعليم والتدريس لهؤلاء العلماء في المساجد تكوين حلقات بها تدرَّس مختلف العلوم النقلية والعقلية والعلوم العربية على غرار حلقات الأزهر والزيتونة والقرويين في أوقات خاصة قبل الصلاة وبعدها.

وبهذه الطريقة أنجبت المساجد علماء أجلاء وأقطابا في الشريعة الإسلامية، ألَّفوا مئات المجلدات في كل علم وبالأخص في التفسير والشرعيات، كالنيل للشيخ عبد العزيز الثميني وشرحه في مجلدات ضخمة لقطب الأئمة الشيخ أطفيش الحاج محمد الذي أصبح من المراجع الهامة في العالم الإسلامي، وشامل الأصل والفرع والورد البسام في الأحكام والتفاسير العديدة النفيسة والشروح المستفيضة لكثير من كتب المذهب الإباضي.

فلما تقلصت هذه الحلقات شيئا فشيئا من التدريس في المساجد في هذا العهد الأخير في أواخر القرن الرابع عشر الهجري سبَّب ذلك نقصانا كبيرا في تخريج علماء الشريعة بعدما كان وادي ميزاب يزخر بالعشرات من الأفذاذ منهم، وينعم بوجودهم فلم يبق من ذلك الطراز العالي من خريجي المساجد إلا النزر القليل من علماء فطاحل مراجع الفتوى والاجتهاد لا تسد بهم كل الثغور الحالية في بلاد میزاب مثل الشيخ بيوض إبراهيم والشيخ يوسف خلفاوي والشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ ابن يوسف سليمان والشيخ بابانو الحاج محمد والشيخ عدون بن بالحاج الشریفي وغيرهم فأصبح لبعضهم حلقات للتدريس في دور خاصة يحضرها بعض الطلبة من الشباب والمشيب.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية. حمو محمد عيسى النوري.ج1 ص60-62.

شاركنا بتعليقك