إسهامات

  ظل نوح -عليه السلام- يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة دون أن يجد منهم استجابة، ودون أن يرجعوا عن ظلمهم وإيذائهم للمؤمنين، لقد زادوا في طغيانهم، وكفروا بكل شيء، وباعوا أنفسهم للشيطان، ولم تنفع معهم دعوة بالحكمة أو بالموعظة الحسنة، وكان لا بد لهم من آخر، يتوقفون فيه عن ظلمهم، وترتاح الأرض من شرهم، ودعا نوح ربه، فقال: ﴿قال رَبِّ إِنْ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُومِنِينَ الشعراء: 117-118، واصل نوح -عليه السلام- دعاءه على قومه بالهلاك، فقال: ﴿وقال نوح رَب لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً نوح: 26-27.

فأوحى الله -عز وجل- إلى نوح بأن عذاب قومه سيكون الغرق تحت طوفان هادر جبار، سيدمر كل شيء، ويغرق جميع الأرض، بجبالها وهضابها، ولن تُرى قطعة من اليابسة على ظهر الأرض، سوف تكون الأرض كلها محيطاً عظيماً من الماء، وأمواجاً ضخمة تغسلها وتطهرها من الشرك والكفر، وأمر الله نوحاً أن يصنع سفينة، ويجمع فيها المؤمنين فقط، ويأخذ معه من كل حيوان زوجين اثنين، وأن يبدأ في زراعة الأشجار الكبيرة، التي سيصنع من أخشابها هذه السفينة.

 وبدأ نوح -عليه السلام- والمؤمنون معه في صنع السفينة بوحي من الله -تعالى- الذي علّم نوحاً كيف يتقن صنعها، فكان الكفار كلما مرُّوا عليهم سخروا منهم واستهزءوا بهم؛ إذ كيف يصنعون سفينة وهم يعيشون في صحراء جرداء لا بحر فيها ولا نهر، وزاد استهزاؤهم حينما عرفوا أن هذه السفينة هي التي سوف ينجو بها نوح ومَنْ معه من المؤمنين حين نزل عذاب الله؛ قال تعالى لنوح: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبُنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مغرقون هود: 37، وقال سبحانه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخرُونَ فَسَوْفَ تعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يخزيه وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مقيم هود: 38-39.

وأتم نوح -عليه السلام- صنع السفينة، وكانت سفينة عظيمة، كبيرة، ضخمة. وعرف أن الطوفان سوف يبدأ حين يخرج الماء من الأرض عيوناً يفور، كما أوحى الله -سبحانه وتعالى- له، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ هود: 40.

  طلب نوح من كل المؤمنين أن يركبوا السفينة، وحمل فيها من كل حيوان وطـيـر وســـائر المخلوقات زوجين اثنين، واستقر نوح - عليه السلام - على ظهر السفينة هو ومن معه. وبدأ الطوفان، فأمطرت السماء مطراً غزيراً، وتفجرت عيون الماء من الأرض وخرج المـــاء منها بقوة، وبدأت السفينة تطفو على سطح الماء، فقال نوح: ﴿.. بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هود: 41.

وبدأت الأمواج الشديدة تغرق القصور والبيوت والأشجار، وتجرفها معها، وتغوص بمــا في الأعماق، وكان صراخ الكافرين يعلو، وكلما هربوا إلى مكان هجم عليهم الطوفان، فلا مهــــرب لهم اليوم إنه يوم شديد على الكافرين ورأى نوح – عليه السلام – ابنه، وكان كافراً لم يؤمن بالله، فناداه: ﴿.. يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ هود: 42. وظن أن الماء لن يصل إلى رءوس الجبال وقممها العالية، فحذره نوح -عليه السلام- وقال له: ﴿.. لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ..هود: 43.

ورأى المشركون الماء يملأ بيوتهم، ويتدفق بسرعة رهيبة، فأدركوا أنهم هالكون، فتسابقوا في الصعود إلى قمم الجبال، ولكن هيهات.. هيهات، فقد غطى الماء قمم الجبال. وأهلك الله كل الكافرين والمشركين، ونجى نوحاً - عليه السلام – والمؤمنين؛ فشكروا الله على نجاتهم. قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مغلوب فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونَا فَالْتَقَى الْمَاءِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ القمر: 10-16.

  وصدر أمر الله -تعالى- بأن يتوقف المطر، وأن تبتلع الأرض الماء: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود: 44. وابتلعت الأرض الماء، وتوقفت السماء عن المطر، ورست السفينة على جبل يسمَّى الجودي، ثم أمر الله نوحاً -عليه السلام- ومن معه من المؤمنين بالهبوط من السفينة، قال تعالى: ﴿قيل يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتِ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سنَمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أليم هود: 48. فالنجاة تكون لمن آمن بالله ورسله وكتبه والخسران والنار لمن كفر بالله واتبع الشيطان. والإنسان العاقل هو من يدرك هذه الحقيقة ويعمل من أجل الفوز برضوان الله  -عز وجل-.

-بتصرف-

المصدر: كتاب: نوح عليه السلام، شعبان مصطفى قزامل.

شاركنا بتعليقك