من أراد أن يكون أسعد الناس فليسعد من حوله:
شكر العبد لله ثناءه عليه، المؤمن يشكر، والله عز وجل يشكر، المؤمن يشكر الله لإحسانه إليه، والله عز وجل يشكر العبد لطاعته له.
للإمام الغزالي رحمه الله تعالى قول لطيف: إذا كان الذي أخذ فأثنى يعد شكوراً فالذي أعطى وأثنى أولى أن يكون شكوراً، يعطي، ويثني، يعطي العبد يشكر، والله عز وجل هو الذي أعطاه، هو الذي مكنه أن يشكر، وبعد ذلك الله عز وجل يشكر هذا العبد.
أنت حينما تقرأ في القرآن الكريم أن الله شكور، يجب أن تندفع بكل ما تملك لخدمة عباده.
يمكن قرأت كلمة في مجلة مترجمة من أربعين عاماً، هذه الكلمات دخلت في أعماق نفسي: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، فأنت أسعدهم، لأن الله شكور، أنت حينما تفكر أن تقدم خدمة لإنسان، لحيوان، لنبات، أنت حينما تفكر أن ترسم بسمة على وجه طفل، أو على وجه أسرة بائسة تكون أسعد الناس.
هذا الذي يدخل الفرح على قلوب الخلق بإحسانه إليهم، بتخفيف آلامهم، بحمل همومهم له عند الله مقام كبير، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، ولأن الله شكور تكون أنت أسعدهم.
سعادة الإنسان لا تأتي من المال بل تأتي من اتصاله بالله عز وجل:
السعادة لا تأتي من المال، بل تأتي من اتصالك بالله عز وجل، فإذا قدمت خدمات لعباد الله فالله شكور، وعندئذٍ يشكرك.
سيدنا ابن عباس كان معتكفاً في مسجد رسول الله ﷺ، معتكف بعبادة، بل من أرقى العبادات، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً ؟ قال له: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال له: لمن؟ قال له: لفلان، فقال له ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك؟ قال له: والله أتمنى، فانطلق ابن عباس من معتكفه (أي خرج من عبادته) قال له أحدهم: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله، ولكني سمعت صاحب هذا القبر (يقصد رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعهد به قريب، ودمعت عيناه) سمعت صاحب هذا القبر يقول: والله، لأن أمشي مع أخي في حاجته، خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا، صيام من؟ صيام سيد الخلق، اعتكاف من؟ اعتكاف رسول الله، لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا.
ولقد ينسى الإنسان حين يبلغ مرحلة من مراحل حلُمه أن "يشكر الله" على المرحلة؛ فـ"الشكر على المرحلة" من أعظم أنواع الشكر؛ ذلك أنه يُشفيك من "الذهنية الصبيانية" التي تشترط "الكلَّ أو لا شيء"؛ فأنت كلَّما شكرتَ الله على مرحلة، زادك ما به تنتقل إلى مرحلة أعلى منها: "لئن شكرتم لأزيدنـَّكم"، حتى إذا بلغتَ بالحلم إلى ما شاء الله، لم يكن ذاتُ الشيء هو المهمُّ، لكنَّ الشكر المصاحِب له هو المهمُّ.
يقول ابن خلدون في مقدمته: "أول الفكر آخرُ العمل"، فأنت حين تفكِّر في بلوغ منصب، تكون هذه الفكرة "أوَّل فكرك، ولكنها آخر عملك"؛ فتبدأ بترتيب الأسباب من الأدنى إلى الأعلى، سببًا سببًا، مثل درجات السلَّم، إلى أن تبلغ الدرجة الأرفع، وهي المنصب المرجوُّ، ولكنها هي آخر العمل.
لو أنك قبل كلِّ مرحلة سألت الله، وعند كلِّ مرحلة استعنت بالله، وبعد كلِّ مرحلة شكرت الله، وإذا أصابك مكروه أثناء كلِّ مرحلة صبرت لوجه الله ولو أنك ابتغيت من كلِّ مرحلة وجه الله، وطلبت معية الله، وآتيت ما آتيت بالله، ولله، وفي الله، ومن الله، ولله، وعلى الله لا تغادر الغايةُ قلبك وعقلك وحواسك طرفة عين.
لو أنك فعلت، لكنت "عبدا شكورا"، ولكنت من القلَّة القليلة – ضمن زمرة آل داوود – التي قال عنها ربُّ الجلال: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ سبأ، الآية: 13. ومؤدَّى الآية الكريمة أن "اعملوا، لا لتقوتوا أنفسكم فقط، أو لتحققوا رغبات مادية وحسب؛ لكن اعملوا شكرا لله على نعمه، واعملوا لكي تزدادوا منه قربا، ولكي يكثر الشكر وينمو فيكم، فتبلغوا مقام الشاكرين"، بنفَس نبوي عنوانه: " أفلا أكون عبدا شكورا ".
مرَّ سيدنا عمر رضي الله عنه برجل في الطريق، فسمعه يقول: اللهمَّ اجعلني من القليل؛ فتعجَّب عمر من دعوة الرجل، فسأله؛ فقال الرجل: سمعت الله يقول "وقليلٌ من عبادي الشكور"، وأنا أرجو أن أكون منهم؛ فقال عمر متحيرا: كلُّ الناس أعلم منك يا عمر.
-بتصرف-
المصادر: - موسوعة النابلسي
شاركنا بتعليقك