إسهامات

الشورى مبدأ إسلامي أصيل ومن صفات المؤمنين الدائمة التي وصفهم الله بها في سورة الشورى فقال تعالى: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ الشورى: 36-39.

لماذا نزل الأمر بالشورى في مكة ؟

وهذه السورة مكية مما يدل على أن صفة الشورى لا تخص أمور الدولة فقط، ففي مكة لم يكن للمسلمين دولة، ومع ذلك كان المدح للمؤمنين باتصافهم بالشورى، فهي صفة ملازمة للمؤمنين في أحوالهم المختلفة العامة والفردية بحيث لا يقدِم أحد منهم على أمر من أموره كتجارة أو سفر أو زواج أو غير ذلك إلا بعد مشورة. وكذلك أي مجموعة منهم أو كيان أو دولة فإنهم يعتمدون مبدأ الشورى في سائر قضاياهم. ويؤيد هذا المعنى أن قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى ﴾ ورد فيه لفظ (أمر) مفرداً مضافاً إلى الضمير فهو يفيد العموم كما في الأصول، فيعم كل أمر ذي بال سواء أكان خاصاً أم عاماً. يلاحظ الباحث في النظام السياسي الإسلامي وأسسه ومعالمه، أن حديث القرآن الكريم عن “الشورى” قد جاء مبكرًا جدًّا؛ حيث ورد ذلك في سورة سُميت بهذا الاسم (سورة الشورى) والمسلمون ما يزالون في مكة لم تقم لهم دولة، بل لم يستقر لهم وضع يأمنون فيه على أنفسهم ودعوتهم!

فكان أول ما نزل عن الشورى قوله سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ الشورى: 3. فقد نزل في تشاور الأنصار بعضهم مع بعض حين سمعوا بظهور رسول ﷺ، وورد النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به ونصرته.

ولعل هذه الإشارة في صدر الإسلام إلى مبدأ “الشورى”- حتى قبل قيام الدولة!- تدل بعمق على أنه مبدأ، كما يقول المودودي: “أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن يكون نظامًا سياسيًّا للدولة؛ إذ هو طابع أساسي للجماعة كلها

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على ترسيخ “الشورى” في حياة المسلمين؛ حتى وصفه أبو هريرة رضي الله عنه قائلاً: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” رواه الترمذي أحمد

الشورى مبدأ لم يتحول إلى مؤسسة..

ومع هذا التأكيد المبكر على أهمية الشورى وضرورتها-كركيزة أساسية للمجتمع والدولة- ومع ما تلا ذلك من تطبيقات متعددة لها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده؛ إلا أن الشورى- كفكرة وقيمة ومبدأ ثابت وأساسي- لم تتحول إلى “مؤسسة”، تكون كفيلة بأن تحرس تطبيق المبدأ، وتحدِّد معالمه، وتفصِّل جزئياته التي تركها الشرع الحنيف؛ مراعاةً لتطور واقع الناس، واختلاف ظروفهم.

وكان هذا الأمر- عدم تحول الشورى من فكرة ومبدأ، إلى مؤسسة وممارسة جماعية منظمة- أحدَ الأسباب التي جعلت المجتمع الإسلامي في عقود كثيرة لقمةً سائغةً لتسلُّط الحكام الظلمة المتجبرين، حين لم يجدوا أمامهم مؤسسةً رادعة، ولا أعرافًا راسخةً تأخذ على أيديهم، وتردعهم وتمنعهم من استعباد الناس الذين خلقهم الله أحرارًا.

وفي سورة آل عمران أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه فقال تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ آل عمران: 159، وهذا الأمر للنبي الكريم المعصوم بالوحي يعني فيما يعني التوجيه بالأولى إلى ولاة الأمر من بعده وهم غير معصومين ولا ينزل عليهم الوحي بأنهم لابد أن يشاوروا من معهم في أمور المجتمع والدولة، ولا يستبدوا بالرأي، وتلك المشورة واجبة عليهم كما ذكر العلماء.

والشورى تضع أمام المستشير عدة خيارات فيستطيع أن يختار أمثلها وأفضلها، لأن الإنسان مهما بلغ من العلم والسن والتجربة والقدرة فإنه يظل قاصراً، وقد ينتبه غيره إلى ما لم ينتبه هو إليه.

وقد كان عليه الصلاة والسلام وهو نبي المسلمين وإمامهم وأسوتهم كثير المشاورة لأصحابه في القضايا العامة، فقد شاور أصحابه في الخروج إلى العير في يوم بدر، وعمل بمشورة الخروج إلى أحد في يوم أحد، وشاور يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة فأبى عليه ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وشاور أصحابه في أن يميل على ذراري المشركين يوم الحديبية، فقال له الصديق: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين فأخذ بقوله، وكذلك كان يشاور في القضايا الخاصة، فقد استشار علياً وأسامة في فراق عائشة، وقد ذكر هذا وغيره ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية التي في سورة آل عمران.

ومعلوم أن الفرد يخسر كثيراً عندما يكتفي برأيه ولا يستشير، وكذلك الأمة تخسر كثيراً عندما يستبد ولي أمرها برأيه وحده، قال الشاعر:

إذا بلـغ الرأي المشورة فاستعـن    ***    برأي لبيبٍ أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً    ***    فرِيشُ الخوافي قوةٌ للقـوادم

وقال الآخر:   

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به    ***    رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

المصادر: جامعة الايمان، إسلام أون لاين

شاركنا بتعليقك