لا يمكن بأي حال أن نتطرق إلى المؤسسة السياسية الإسلامية دون الحديث عن واحدة من أهم مميزات هذه المؤسسة؛ فالإسلام قد جاء بمبدأ إنساني غاية في العظمة والروعة، وهو مبدأ الشورى، بل سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسم "الشورى"؛ دلالة على أهمية تحقق هذا الشرط في أي شأن من شئون المسلمين.
وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ من ناحية الاختيار أو الوجوب والإلزام، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159].
ماذا نقصد بالشورى ؟
وتُعرَّف الشورى بأنها طلب الرأي ممن هو أهل له، أو هي استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بها، وعليه فقد اتخذ المسلمون الشورى أصلاً وقاعدة من أصول الحكم وقواعده، وعليها قام ترشيح العدول من المسلمين لمن يرونه أهلاً للقوَّة والإمامة لتولِّي أمرهم؛ ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول ﷺ لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وقد روى أبو وائل قال: قيل لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ألا تستخلف علينا ؟ قال: "ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يُرِدِ اللهُ بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم"
ما أهمية الشورى ؟
تعتبر الشورى أصلاً من الأصول الأولى للنظام السياسي الإسلامي، بل امتدَّت لتشمل كل أمور المسلمين؛ وتأسيسًا على ذلك فإن الدولة الإسلامية تكون قد سبقت النظم الديمقراطية الحديثة في ضرورة موافقة الجماعة على اختيار مَنْ يقوم بولاية أمورها ورعاية مصالحها وتدبير شئونها؛ ممَّا يؤكِّد قيمة وفاعلية الإجماع عند المسلمين.
والشورى في القرآن من أبـرز علامات المجتمع المؤمن وأهم خصوصيات الجماعة التي تَهَبُ قلبها للإسلام. وتوضع الشورى في القرآن الكريم صفًّا واحدًا مع الصلاة والإنفاق: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الشورى:38]؛ فينبّه المولى تعالى إلى أن الشورى تعاملٌ يترادف مع العبادة، ويبين هذه المسألة الحيوية في الأمر الإلهي بالاستجابة لله تعالى وذكر ضرورات الاستجابة ونتيجتها: الصلاة والشورى والإنفاق.
فبهذا الاعتبار، لا يُعدّ المجتمع الذي يهمل الشورى مجتمعًا متكامل الإيمان، كما لا تُعدّ الجماعة التي لا تعمل بها جماعة مسلمة بالمعنى الكامل. فالشورى في دين الإسلام أساس حياتي لابد للرؤساء وللمرؤوسين من إجرائه. فالرؤساء مكلّفون بالاستشارة في السياسة والإدارة والتشريع وأمور كثيرة تتعلق بالمجتمع، والمرؤوسـون مكلّفون ببيان رأيهم وفكرهم فيها للرؤساء.
نتائج الشورى:
وإنه لمن المفيد أن نورد بعض الملاحظات الهامة عن مبدأ الشورى. الشورى شـرط أساسي لإقرار الرأي الصائب في مسألة من المسـائل. و كثيرًا ما تظهر نتائج وخيمة وهزيلة للقرارات المتعلقة بالفرد أو المجتمع ما لم تُمحَّص بـآراء الآخرين أو انتقاداتهم. وإن مَن ينحبس في رأيه ولا يَعتدّ بآراء غيره -مهما كان رفيع الفطرة وعالي الذكاء، بل داهية من الدهـاة- يتعرض إلى أخطاء وزلاّت أكثر مما يتعرض لها رجل آخر متوسـط المواهب ينفتح في آرائه بالمشورة. فالإنسان الأعقل هو الأعظم اعتدادًا والتزامًا بالمشورة، والأكثر استفادة من أفكار الآخرين. ومَن يكتفي بأفكاره الشخصية في عمله وبرامجه، أو يسعى لفرضها على غيره، لا ينجو من فقدان طاقة حركيةٍ مهمة، وزد على ذلك نفور وكره واستثقال ممن حوله لا محالة.
فالمشورة هي الشرط الأول لكي يجني المرء أفضل الثمار قاطبة من كل عمل يعمله، كذلك هي الوسيلة الأهم في اسـتمداد قدرةٍ تفوق قدرته وطاقته أضعافًا مضاعفة.
فينبغي إجراء أوسع استشارة وتحرٍّ قبل مباشرةِ عملٍ من الأعمال، والجدُّ في الأخذ بالأسـباب والتدابير، حتى نتجنّب الوقوع في تصرفات مضرّة تُضاعِف المصيبة في النتيجة، مثل تجريح القدَر أو اتهام الأفراد المقربين منا. ولا مفر من الندم وانكسار الخاطر ما لم يتم التفكير في عاقبة الأمر وما لم تؤخذ مشورةُ أهل المعرفة والخبرة قبل المبادرة في العمل. وكم من عمل خاض فيه الخائضون من غير رويّة فلم يمضوا فيه خطوات إلا أورثهم الانكسارَ والانكفاءَ في أنفسهم، وضعفَ الحظوة وخسارة الاعتبار عند غيرهم.
والقاعدة في الإسـلام على اعتباره نظامًا مثاليًّا؛ أن الشورى من أهم القُدُرات الحركية لقيامه ودوامه. فهي من أهم العناصر في حل القضايا المتعلقة بالفرد والمجتمع، والشعب والدولة، والعلم والمعارف، والاقتصاديات والاجتماعيات، ما لم يرد فيها نص صريح.
-بتصرف-
المصادر: موقع قصة الاسلام ومجلة حراء.
شاركنا بتعليقك