إسهامات

للأسرة دور بارز في تنمية مهارات الصداقة لدى أبنائها، ونرى ضرورة أن يؤدي هذا الدور في ظل اقتناع بأن علاقات الصداقة الطيبة التي يعقدها الأبناء لها مردود صحي يعود على صحتهم النفسية سواء في طفولتهم أو في مستقبل حياتهم، ويظهر أثر علاقات الصداقة بين أبناء الجنس الواحد في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي للأشخاص وبصفة خاصة في مرحلتي الطفولة والمراهقة، وتقدم فيما يلي بعض الهاديات التي نعتقد نضعها في توجيه دور الأسرة وأيضا المدرسين والقائمين على عمليات التنشئة الاجتماعية فيما يتعلق بدعم مهارات الصداقة لدى النشء:

1. ينبغي أن تتاح للأطفال فرص التفاعل الاجتماعي مع الأقران، فمن واجبنا أن نشجع الطفل الذي يفتقد علاقات الصداقة على الدخول في علاقات مع أترابه لكي تقوى ثقته في نفسه ويكتسب المهارات الاجتماعية الأساسية، وفي بعض الأحيان يخشى الطفل المبادرة بالتفاعل إما لقصور في رصيده من المهارات الاجتماعية أو لخوفه من رفض أقرانه له، وهنا يتجلى دور الوالدين والمدرسين في تشجيعه على البدء في المحاولة ثم تكرارها بعد طمأنته وإقناعه بأنه من الضروري أن يكون له أصدقاء يقضي وقت فراغه معهم ويلعب معهم ويفيد منهم كما يفيدون منه.

ويقترح بعض الباحثين سبلا نفسية لتشجيع الطفل على الاختلاط بزملائه، ومنها ما ذكره روبين وهو يقرر أن تشجيع التفاعل بين طفلين تلك الخبرة المشجعة بمعاودة التفاعل والامتداد به نحو أطفال آخرين ويقترح سبيلا آخر ينص على أن المزاوجة في التفاعل الاجتماعي بين طفل عدواني وطفل آخر أصغر عمرا تؤدي إلى تقليل ميل الطفل الأول إلى العدوان، وذلك لأنه في تفاعله مع قرينه الأصغر عمرا يشعر وكأنه أخ أكبر عليه أن يحيط أخاه الأصغر منه بالرعاية، كما قد تشعره تلك العلاقة بأنه باستطاعته أن يكتسب ود الآخرين ورضاهم بدون اللجوء إلى العنف والشراسة، وفي المقابل يرى فورمان وزملاؤه أنه حتى عندما يتفاعل الطفل العدواني مع قرين أكبر منه عمرا يشعر في تلك الحالة أن العدوان لا يفيد بل قد يوقعه فريسة العدوان رفيقه الأكبر عمرا مما يدفعه إلى تعلم تصرفات أكثر انضباطا.

ويضيف فورمان أن الأطفال الميالين إلى العزلة والانسحاب قد لا يفيدون كثيرا من علاقاتهم بأتراب يماثلونهم في العمر، إذ تعطيهم صلاتهم الاجتماعية مع رفقاء دونهم عمرا الثقة في أنفسهم وفي قدرتهم على توجيه دفة نشاطات اللعب وممارسات السلوك القيادي والتنظيمي.

2. ينبغي أن يدرك المسؤولون عن التنشئة أن مفهوم الصداقة يختلف تبعا لاختلاف المراحل الارتقائية التي يمر بها الأبناء، ويفرض هذا الاختلاف تغييرا موازيا في الأساليب المناسبة لدعم علاقات الصداقة، ففي سنوات الطفولة المبكرة وقبل الالتحاق بالمدرسة تتركز الصداقة حول المشاركة في اللعب فحسب، كما تفتقد خاصية الاستقرار، أما في سنوات الدراسة الابتدائية فيبدأ الأطفال في تكوين صداقات وثيقة تتسم بتبادل المشاعر الوجدانية، وعندما يتقدم العمر بأولئك الأطفال نجدهم يولون عناية أكبر بإرساء علاقة حميمة تقوم على الفهم المتبادل والحرص على الولاء، وفي ضوء تلك التغيرات الارتقائية يحسن أن يوجه الراشدون اهتمامهم نحو دعم مهارات اللعب والنشاطات المتبادلة البسيطة في سنوات الطفولة المبكرة ونحو تدريب مهارات بدء ومواصلة الصداقة في سنوات التعليم الابتدائي، على أن تتجه جهودهم إلى تعليم الأبناء كيف يعقدون صداقة وثيقة ومتبادلة في سنوات العمر التالية.

3. من المرغوب فيه أن يعرف المنشئون أن هناك خصالا معينة تسهم إسهاما خاصا في تشكيل إدراك الأقران لطفل بعينه. ويلاحظ أن بعضها صعب التغيير ومن ذلك المظهر العام والتفوق الرياضي والقدرات العقلية والمستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، ومن ذلك يبدو أن المهارات اللازمة الاكتساب الأصدقاء تتفاوت من طفل إلى آخر وفقا لدرجة تميزه أو افتقاده لتلك الخصال، فمن الممكن أن يشجع الطفل المتفوق دراسيا على اكتساب الأصدقاء من خلال إبدائه المساعدة لزملائه في الموضوعات المدرسية، بينما ينصح الطفل الرياضي بعقد صداقات جديدة من خلال المشاركة مع زملائه في الممارسات الرياضية التي يبرز فيها.

وينبغي أن يدرك المنشئون في الأسرة والمدرسة أن من بين ظروف وأحداث الحياة ما يفرض صعوبات شديدة في علاقات الأبناء بأقرانهم، ومن تلك الأحداث الانتقال إلى مدرسة أو سكن جديد، وكذلك الخلافات الأسرية أو انفصال الوالدين، وتوجب هذه الظروف توجيه عناية خاصة للأبناء حتى يتجاوزوا الظروف الحرجة.

4. رغم ما يمكن أن يضطلع به الراشدون من دور رئيس في دعم مهارات الصداقة لدى الأبناء إلا أن هذا الدور ينبغي أن يؤدى بحرص حتى لا يرسخ في تصور الصغار أن الكبار يتدخلون في حياتهم طوال الوقت، ومن الضروري أن يتجنب الراشدون إحراج الطفل أمام أقرانه بتوجيه النقد اللاذع له إذا فشل في عقد علاقات اجتماعية ناجحة مع بعض الزملاء أو الأصدقاء، حتى لا يفقد ثقته في نفسه وفي قدرته على التغلب على خجله وتحسين علاقاته.

5. ينبغي أن يحترم الراشدون ميول الطفل ودوافعه وتفضيلاته الاجتماعية، حيث تنطوي صداقات الأطفال على العديد من الصور، إذ يفضل بعض الأطفال تكوين علاقات مع عدد كبير من الزملاء، ويفضل البعض الآخر تكوين علاقة وثيقة مع صديق واحد أو اثنين. وعلى الآباء والمدرسين أن يحترموا تلك الرغبات وأن يكون تركيزهم ليس على مجرد زيادة كم علاقات الصداقة وإنما على تحسين نوعيتها، فمن المعروف أن بعض الأطفال يشعرون بعدم الرضا عن علاقاتهم رغم تعددها، وتبين بحوث العلاقات بين الأشخاص في هذا الصدد أن الشعور بالوحدة والعزلة النفسية لا يتوقف على قلة عدد الأصدقاء وإنما على فقدان النوعية الملائمة من علاقات الصداقة.

ونؤكد في نهاية المطاف أن العناية بتحسين العلاقات الاجتماعية لأبنائنا لا تعني دفعهم إلى الإفراط في نشاطات اجتماعية تستنفد كل طاقاتهم وأوقاتهم، صحيح أن الصداقة دعامة أساسية للتوافق النفسي، إلا أن نفعها مقيد بشروط لا ينبغي تجاوزها، ولعل من أهمها توخي الاعتدال سواء في عدد الأصدقاء أو في مقدار الوقت الذي ينفق في صحبتهم دون إفراط أو تفريط، فالصداقة النافعة تشبع حاجات الأبناء إلى المشاركة الوجدانية والإفصاح عن الذات والتعاون وتبادل المساعدة والخبرات، والترويح عن النفس، ولكن لا ينبغي لها أن تكون على حساب إشباع الحاجة إلى الاستقلال والشعور بالحرية والتفرد وتأمل الذات، وتكريس الجهود لتحصيل الدروس وتنمية المواهب الشخصية والانخراط في العمل والمشاركة في تحمل أعباء الأسرة وتحسين الصلات مع الأهل والأقارب، وخلاصة المعنى الذي نرمي إليه أن الاعتدال أساس السعادة وجوهر التوافق النفسي.

ونفع الصداقة موقوف أيضا على رقابة الأسرة بحساسية مرهفة لا تشعر الإبن (أو الابنة) بفقدانه لحريته واهتزاز الثقة فيه، ولا تتركه في الوقت نفسه فريسة لأصدقاء السوء.

-بتصرف-

المصدر: كتاب الصداقة من منظور علم النفس. أسامة سعد أبو سريع ص 196.

شاركنا بتعليقك