لقد قام المنهاج النبوي على أسس عدة في علاج القضايا الاجتماعية الكبرى. وبعض هذه الأسس هي:
1. التوازن: ويتمثل في أمور عدة، منها المساواة بين الأفراد لا التساوي. فالشرع الإسلامي إذ يقول بالمساواة بين الرجل والمرأة مثلاً في الحقوق والواجبات، فإنه لا يقول بالتساوي بينهما في الصفات الخِلقية والفطرة الربانية والوظائف التكليفية فهذا لا يقول به عاقل. وعلى هذا فإن الدعوة إلى التساوي بينهما، نوع من أنواع الظلم، والزج بكل منهما في طريق مظلم لا يتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ويكلف كلاًّ منهما شططًا لا يطيقه، أما ما يتفق والتوازن الذي أسسه المنهج النبوي فهو المساواة.
فالمساواة في الإسلام، لا تعني أبدًا القضاء على الاختلاف أو التمايز بين الناس، إذ الاختلاف سنة كونية من سنن الله في خلقه، وهو حقيقة واقعة في الخلق، ولا يمكن محوها أو التغافل عنها، ولكن المساواة تعني العدالة، والعدالة تكون في عدم التفرقة بين الإنسان فيما يخرج عن فعله واختياره، ولذا يجب أن تطبق مفاهيم المساواة الإنسانية في إطار من احترام الاختلاف والتمايز بين الناس، وعدم الاعتداء على هويتهم الذاتية أو محاولة مسحها أو محوها.
وقد قرر صلى الله عليه وسلم المساواة كمبدأ عام بين الناس جميعًا، وجعله مهيمنًا تسري روحه كدعامة لجميع ما سنه وقضى به من نظم وأحكام تضبط علاقات الأفراد رجالاً ونساء. وكان من تقديره لقيمة الإنسان المشتركة بين الجميع، تكريم الجنس البشري بنوعيه دون تمييز بين رجل وامرأة.
والمساواة بين الناس لا معنى لها إذا لم تعززها عدالة اقتصادية واجتماعية تضمن لكل فرد حقه إزاء ما يقدمه لمجتمعه، وتكفل ألا يستغل أحدٌ أحدًا أو يبخسه حقه… فالتفاوت الفاحش في الدخول والثروات، الذي نراه اليوم منتشرًا في كل الدول الإسلامية ينافي جوهر الإسلام، لأن فيه قضاء محتمًا على مشاعر الأخوة التي يريد الإسلام بثها بين المسلمين.
إن عدالة التوزيع للثروة بين المواطنين، من شأنها أن توفر لكل فرد مستوى من المعيشة تهيئه لأن يحيا حياة تليق بكرامة الإنسان، ويتوجب على النخبة من علماء الأمة بعد ذلك، أن تعمل على تأمين العمل لمن يبحث عنه، وإثابة العاملين بالأجر العادل، والتفكير في آليات لتفعيل النظام الاقتصادي الإسلامي الذي تمثل الزكاة والصدقات والوقوف فيه، ركنًا ركينًا لإعادة توزيع الدخل على الفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض، أو يعانون من معوقات عقلية أو جسمية، أو يرزحون تحت وطأة ظروف خارجة عن إرادتهم.
2. العدل: وهو قضية عظمى عليها قام الملك، وخلق إسلامي رفيع حث عليه الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز، وفي سنة النبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه، يقول سبحانه: ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾ النحل: 90، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الظلم في أكثر من حديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: “الظلم ظلمات يوم القيامة” (رواه البخاري)، وفيما يرويه نبينا صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: “يا عبادي إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تَظالَمُوا” (رواه مسلم).
ومن مظاهر تمام العدل بين الناس، إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الشيء المناسب والشخص المناسب في المكان المناسب، ومثال ذلك أن وجود نخبة من الناس تتصدر لحل المشكلات، ورسم طريق الخروج من الأزمات من قوانين الله وسننه الثابتة في كونه. ومفهوم النخبة نراه بارزًا في الكتاب والسنة، ومرتبطًا بتاريخ البشر وواقعهم، بل هو واضح في سنة الله تعالى في كونه. فقد فضّل سبحانه بعض الأزمان على بعض، وفضّل بعض الأماكن على بعض، وفضّل بعض الأشخاص على بعض، وفضّل بعض الأحوال على بعض، وجعل من هذا التباين سببًا لدفع الناس وتعارفهم وحراكهم عبر حركة التاريخ، قال تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ الزخرف: 32، وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ المجادلة: 11، ويقول: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ البقرة:253، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ النساء: 59. فجعل الله للناس رؤوسًا، وجعل ذلك طبقًا لكفاءاتهم، ورغبتهم في الإصلاح دون الإفساد، ونعى على ذلك التصور الذي يكون فيه جميع الناس في تساوٍ مطلق.
وعدم التساوي لا يعني أبدًا عدم المساواة كما سبق وبينَّا، ولكن وجود النخبة والصفوة يؤدي إلى حل المشكلات، وإلى الأمن والاستقرار بين الناس. وعلى المسلمين جميعًا أن يحافظوا على هذه النخبة ويدافعوا عنها ويعينوها على تحقيق الدور الذي كلفت به… وهذا لا يعني أن هذه النخبة فوق القانون، ولكن عند توجيه الاتهامات، يجب أن تبنى على حقائق ثابتة، وليس على أحداث مختلفة أو خيالات مريضة. فوجود هؤلاء الحكماء والمحافظة عليهم، بل وإقالة عثرتهم إذا عثروا، أمر واجب على الناس جميعًا، وهو مثال للعدل بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، الذي يمثل أساسًا من أسس المنهج النبوي في علاج القضايا الاجتماعية.
3. مراعاة الحال: سواء حال الإنسان وحال الجماعة وحال الأمّة، بل حال العالم أجمع، فقد راعى صلى الله عليه وسلم أحوال الناس في تطبيق الأحكام الشرعية والأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان تعامله مع الفرد مخالفًا لتعامله مع الجماعة من حيث كونهم جماعة، أو الأمة كذلك أو جميع الأمم، فلم يكن التعامل متماثلاً مع الجميع. ومن أكثر دلائل مراعاته صلى الله عليه وسلم للأحوال ما ورد في عدم هدمه الكعبة، وإعادة بنائها على أساس إبراهيم؛ فإن قريشًا لما بنتها اقتصرت بها، يقول صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها: “يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين” (رواه مسلم).
إن الجمود على رأي واحد، وحكم واحد، وموقف واحد وإن تغيرت الأحوال، لم يكن من منهجه صلى الله عليه وسلم. وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يمنع الصحابة في مكة من أن يحملوا السلاح ليقاتلوا دفاعًا عن أنفسهم وهم يأتون إليه بين مضروب ومشجوج، ويأمرهم بالصبر وكف اليد، حتى إذا هاجر إلى المدينة وأصبح لهم دار ودولة، أذِن الله أن يقاتلوا.
إن سعة الشريعة ومرونتها في مراعاة مستجدات الأمور، وصلت إلى إقامة الحدود التي تعتبر أصلاً من أصول التشريع. فلقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نراعي الأحوال التي تنشأ، والظروف التي تستجد مما يستدعي تغيير الحكم إذا كان اجتهاديًّا، أو تأخير تنفيذه، أو إسقاط أثره عن صاحبه إذا كان قطعيًّا. ومن ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تقطع الأيدي في الغزو كما روى أبو داود، وهو حد من حدود الله تعالى. وقد نهى عن إقامة الحد في هذه الحالة، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض من تعطيله أو تأخيره، وهو لحوق صاحبه بالأعداء حمية أو غضبًا. وها هو لا يعاقب المنافقين رغم ما بلغه عنهم، ويقول ﻟ”عمر” رضي الله عنه لما أراد أن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول: “دعْه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه” (رواه البخاري). وفي هذا أعظم دليل على سعة هذا المنهج النبوي ومراعاته للأحوال والظروف والمستجدات.
لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الأسس وذلك المنهاج الشريف، بمعالجة الروابط الاجتماعية القائمة، فأبقى على الصالح منها وقاوم الفاسد، حتى أرسى وشيّد روابط اجتماعية أسسها على أرقى نظام وأنفع منهاج يصلح لكل زمان ومكان.
-بتصرف-
المصدر: مجلة حراء
شاركنا بتعليقك