إسهامات

تعريف العُرف المعماري:

العرف: هو مجموعة من أنواع السلوك المكتوبة أو غير المكتوبة، تعود عليها الناس في مجتمع معين وزمن معين، واستمر العمل بها لمدة طويلة، حتى شعروا بإلزاميتها. والقوة الملزمة للعرف ترجع إلى الضمير الجماعي، حيث يستهجن ويستنكر الجميع مخالفته، وقد يلجا القضاء إلى العرف كمصدر لأحكامه، حيث لا يوجد تقنين قانوني، ويظهر الاهتمام بالعرف عند الإباضية في الكثير من فتاويهم خصوصا في مجال أعراف البناء والعمران، وحجية العرف أنه دليل للاستئناس عند عدم ورود النص ضمن المصادر التبعية الأخرى.

عُرف بناء المنازل عند بني مزاب:

النظام العرفي في مزاب يسمح للجار من الناحية الشمالية والشرقية بعلو البناء، ولا يسمح ذلك للجار من الناحية الجنوبية (القبلة)، ولا من الناحية الغربية، وذلك لغرض منع حيلولة البناء المرتفع من وصول أشعة الشمس من الجهتين، فلا يرتفع الحائط من الجهتين إلا بقدر متر واحد ونصف، بينما العلو من الناحيتين الشمالية والشرقية يصد الرياح الباردة شتاء، وكلما زاد ارتفاع الحائط من الناحتين القبلية والغربية عن متر ونصف زادت مسافة الحريم، وهي مسافة يتركها الجار فراغا بينه وبين جاره بمقدار تلك الزيادة في الارتفاع، فيؤخر الجار الشمالي أو الشرقي حائطه كي يكون ظل حائطه في تلك المساحة المتروكة ولا يقع ظله على سطح جاره فيضره بذلك الظل، ويمنع عنه الشمس.

يسمح العرف بفتح نوافذ أو كوات بدون ستار من الناحية الجنوبية والغربية، بينما يكون ستر النوافذ الشمالية والشرقية ضروريا وواجبا، لكي لا يطل الجار على منزل جاره المفتوح سطحه لاستقبال الشمس من الناحتين الشمالية والشرقية بالنسبة له.

ارتفاع البناء في الشوارع الضيقة لا يتجاوز 4.5 متر، وفي الشوارع الواسعة يسمح بارتفاع 6 أمتار، ويسمح ببناء (إِكُومَارْ) الأقواس من الناحية الشرقية والشمالية فقط لتكون متجهة إلى القبلة والغرب، ويمنع استحداث باب مقابل الباب الجار المقابل لكي لا ينكشف وسط منزله أمام جاره المقابل، وفي أعراف وادي مزاب ضوابط دقيقة في بناء جدران المنازل والشوارع الفاصلة بينها، ومراعاة اتجاه الشمس وضوئها، والأبواب، والنوافذ، والمداخل عامة، وكل ما له علاقة بالمنفعة العامة، وعدم الضرر، ويراعي كل جار عدم الإضرار بجاره، وهذا النوع من الحريم للمنازل، والشوارع هو الذي أبدع في الهندسة المعمارية المزابية، ولحريم المنازل، والشوارع أحكام فقهية مفصلة في كتب الفقه.

المصدر: كتاب القرارة من دخول الاستعمار الفرنسي إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، د. صالح بن عبد الله أبوبكر، صفحة 465-468.

شاركنا بتعليقك