كان الناس في الماضي يصنعون بيئاتهم المحلية بأنفسهم على المستوى الجماعي. وتأثرهم بما يجري بعيدا عن ديارهم ضئيل للغاية، وقد يكون معدوما، حين كان الناس يعيشون في الصحارى والقرى الصغيرة، كانوا مغمورين بمشاعر العزلة والاستقلالية. ولم يكن من المألوف أن تتأثر حركة الحياة اليومية في قطر نتيجة اتخاذ قرارات معينة في قطر أخر إلا على نطاق محدود؛ وذلك لأن كل مقومات الحياة الأساسية متوفرة محلية.
حين عرف الناس (تقسيم العمل)، وحين قامت العلاقات الاعتمادية بين الشعوب على نطاق واسع، أخذ كل شيء يختلف، وصار من الممكن أن يجوع إنسان أو شعب في أقصى الشرق بسبب اتخاذ قرار في أقصى الغرب. هذا التواصل الكوني استدعى -بالطبع- وجود معايير عابرة للقارات لكل شيء مشترك، مثل الاستيعاب والفاعلية والتأثير وحسن التصرف والإنتاجية والقدرة على الاحتمال وما شاكل ذلك... الأمم الأكثر حضورا في ساحات الإعلام والإنتاج والتقنية والسياسة، هي التي تضع معايير ما أشرنا إليه. وبقطع النظر عن صواب تلك المعايير فإنه لا يمكن تجاهلها على نحو تام. حين كان المسلمون يقودون الحضارة، كانوا هم الذين يضعون تلك المعايير، وكان تجاهلها يعني الانعزال عن قيادة الحضارة آنذاك.
العيش خارج العصر لا يحتاج إلى تخطيط، ولا إلى جهد، فهو الأصل. والعيش داخل العصر هو الذي يتطلب الكثير من الفهم والعناء والبذل، إن الذي لا يريد أن يصبح بطلا رياضيا، غير مكلف بأي شيء من تمارين الأبطال.
وإن الذي لا يعبا بالصحة والمرض والقوة والضعف، ليس مطالبا باي شيء من التمارين الرياضية؛ وهكذا فالتصرف في الحياة على السجية، دون أي صقل للذات أو ترقية للمهارات أو محاولات للفهم، هو حياة نموذجية خارج هذا العصر، وخارج العالم الذي ننتمي إليه.
شؤون هذا العصر طبقات عديدة في شعاب كثيرة متفرقة، واستيعابها على نحو تام غير ممكن، ولذا فالاستجابة التامة لاشتراطاته وتحدياته ايضا غير ممكنة. والمشكلة العميقة التي يعاني منها كثير من الناس في هذا الجانب أن الواقع يتغير على نحو أعقد وأسرع من استيعاب الوعي له. والطروحات الفكرية، تكاد تكون مستخلصات مما يفرزه الواقع من مشكلات، أي لا يتم التنبه لكثير من المشكلات والتحديات إلا بعد أن تصبح حقيقة ماثلة.
العيش داخل العصر ، يحتاج أيضا إلى درجة من الشفافية والمرونة الذهنية، وهما غير متوفرين لدى الأميين ومتوسطي الثقافة، والذين يعشون في ظروف قاسية، حيث تحجب المتطلبات الضرورية للمعيشة اليومية رؤية الناس للمحيط العام، ولقدراتهم الكامنة والخيارات المتاحة لهم على طريق التحسن والاستجابة. لهذه الأسباب واسباب أخرى فإن معظم الناس في الأرض يعيشون خارج عصرهم، ولا سيما أبناء الشعوب التي يغلب عليها الاستهلاك المنتجات العصر، دون مشاركة فعالة في إنتاجها.
قلة أولئك الذين يختارون العيش على الهامش وهم على دراية بما يفعلون، فالكثرة الكاثرة من الناس تهمش، وتعيش خارج الحلبة بسبب البيئة المحطمة التي يعيشون فيها، فهي غير ملائمة للنمو لأنها إما أن تكون قاسية إلى درجة الكبت الشديد والقهر، وإما أن تكون على درجة من التخلف، لا تمكن من صناعة الإرادات ولا استنفار الطاقات، وهذا - مع الأسف هو شأن أكثر من (٪70) من البيئات المعاصرة.
العيش داخل العصر يعني استيعاب المرء لتحديات عصره ومشكلاته، إلى جانب الوعي بالإمكانات المتاحة للاستجابة لتلك التحديات، بالإضافة إلى امتلاك الآلية المناسبة لتحقيق ذلك على هدي من المبادئ والثوابت التي يؤمن بها؛ مما ينتج عنه العيش في غمرة الأحداث والتجديدات والتأثير فيها، والاستفادة من معطياتها.
المصدر: كتاب العيش في الزمان الصعب، عبد الكريم بكار، صفحة 77-79.
شاركنا بتعليقك