إن المعرفة تتضاعف كل خمس عشرة سنة -على أبعد تقدير- وهذا يعني أن الكتب المنشورة تتحدى القراء، وتتطلب منهم المزيد من الاستعداد، والمزيد من الوقت من أجل الاستفادة منها، لو قدر للمرء أن يقرأ في حياته ستين سنة، وقرأ في كل أسبوع كتاباً، فإنه يكون قد قرأ نحواً من ثلاثة آلاف كتاب، وهو رقم متواضع جدا بالنسبة إلى ما هو منشور.
بعد تصفح الكتاب واكتشاف مستواه، يقرر القارئ أي نوع من القراءة يستحق، فهناك كتب تقرأ قراءة سريعة لالتقاط النافع منها، وهناك كتب يجب أن تُقرأ بدقة متناهية، وتحرث حرثاً، كما يفعل الفلّاح في أرض خصبة يبتغي منها الكثير.
وتقوم فكرة القراءة السريعة على ما هو معلوم من أن النظر يقفز من مساحة إلى أخرى، وعندما يستقر على مساحة معينة، فإنه يلتقط عدداً من الرموز والإشارات، ثم يقفز ليستقر ثانية وهكذا، فانتقال البصر قفز، والتركيز يعني التقاط وحدات دلالية ذات مغزى، ويقرر علماء وظائف الأعضاء أن البصر يستقر مدة ثانية واحدة مهما كانت القراءة سريعة أو بطيئة، والفرق بين القراءتين، هو أن صاحب القراءة السريعة يلتقط في هذه الثانية عددا أكبر من الوحدات الدلالية؛ حين لا يلتقط القارئ العادي البطيء أكثر من عشر وحدات أو مقاطع صوتية، فإن القارئ السريع يلتقط حتى عشر كلمات دلالية.
مشكلة القارئ غير المتمرس، هي النكوص إلى سطور سابقة، كلما انتقل من مساحة إلى أخرى مستعيداً قراءة ما فات، حتى يستطيع متابعة المعنى فيما يليه، كما أن انتقال نظره يكون متقطعاً وغير منتظم؛ على حين أن انتقال نظر القارئ السريع يكون مستمراً و منتظماً.
وقد عرفت بعض الدول المتقدمة قيمة السرعة في القراءة، فأقامت الدورات للقراءة السريعة منذ أكثر من نصف قرن، وتلك الدورات تهدف دائما إلى تدريب القارئ على أن يلتقط أكبر عدد ممكن من الكلمات أثناء الثانية التي تقف فيها العين، وتستخدم في تلك الدورات أدوات عديدة لتعليم القارئ ذلك، ولعل أبسطها هو أن يضم القارئ إبهامه مع أصبعه، ثم يحرك هذا المؤشر تحت السطر بسرعة أكثر قليلا من حركة عينيه بشكل مريح، وحين يجبر نفسه على متابعة القراءة مع حركة يده، سوف يجد أنه صار في وقت قصير قادراً على قراءة الكلمات وفق حركة يده تحت السطر، وكلما تابع في التمرن، وزادت سرعة حركة يده فإنه سيجد أن سرعة قراءته قد زادت، وقد تبلغ تلك الزيادة ضعفين أو ثلاثة أضعاف.
من أجل معالجة ارتداد بصر القارئ إلى الجمل السابقة، يقترح بعضهم أن يأخذ القارئ بطاقة مستمرة، ويحدد عليها مستطيلا بطول: 4 سم وعرض 7 ملم، ثم يقطعه في الوسط ليشكل فتحة تسمح برؤية سطر الكتابة في ورقة الكتاب لتحديد مجال الرؤية.
ويحدد حدود القطعة المقتطعة بالقلم العريض حتى تتضح معالمها، ثم يضع البطاقة على النص ليقرأ ما يظهر داخلها من كلمات السطر، ثم يزيحها حال انتهائه من القراءة ، ويستمر على هذا المنوال حتى ينتهي النص، بهذه الطريقة يكون قد أخفى الجمل التي قرأها بالبطاقة حال انتهائه من قراءتها، ولا يجد الفرصة للعودة إليها ثانية.
-بتصرف-
المصدر: كتاب القراءة المثمرة، د. عبد الكريم بكار، صفحة 39-42.
شاركنا بتعليقك