تثار بين الحين والآخر قضية القَوامة ويتنازعها بعض من الرجال والنساء، فما هي القَوامة؟ وما واجب النساء تجاهها؟ وهل البخل يُسقِط قَوامة الرجل على أسرته؟ وإذا كانت الزوجة مسرفة ماذا يفعل الزوج؟ هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عليها من خلال التحقيق التالي.
أمور كثيرة في عصرنا أصبحت تُدفع باتجاه وضع من الندية بين الرجل والمرأة، فالظروف أتاحت أمام كل امرأة فرصاً أكبر للاستقلال المادي والمعنوي، فهي تخرج وتعمل وتشارك، لها مالها الخاص، وعندها حاسوبها الخاص، وهاتفها النقال، وحسابها البنكي، وعالمها الذي يتوسع، وغالباً ما يكون هذا التوسع على حساب الرجل وعلاقتها به، فهي أكثر برودة وزهداً تجاه زوجها؛ لأنها أقل احتياجاً له، وأقل رغبة في بذل الجهد لإرضائه، فيفقد الزوج ميزاته النسبية في الإنفاق والخصوصية، وتتسلل إلى نفسه مشاعر الحنق، وحين يستقر في ضميره أن زوجته ندٌ له يبدأ في معاملتها بالمثل؛ مما قد يحوِّل الحياة بينهما إلى جحيم.
العديد من الجمعيات النسائية العربية- التي تتبنى الأجندة الغربية في وجه ثوابتنا الإسلامية- تزعم أن القَوامة تسقط حال عدم الإنفاق؛ فقد ثبتت للرجل بالإنفاق؛ إلا أن علماء الإسلام وفقهاء الشريعة أكدوا أن قَوامة الرجل لا تسقط حتى مع عدم الإنفاق؛ لأنها قائمة بنص الآية بشرطين هما في قول الله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ...﴾ النساء: 34.
تكليف لا تشريف:
القيِّم هو السيد، وسائس الأمر، وقيِّم المرأة: زوجها أو وليها؛ لأنه يقوم بأمرها وتدبير ما تحتاج إليه، فالمقصود إذاً بقوامة الرجل على زوجته: قيامُه عليها بالتدبير والحفظ والصيانة والنفقة والذبِّ عنها، والقَوامة تكليف بهذا الاعتبار أكثر من كونها تشريف، فهي تُحمِّل الرجل مسؤولية وتبعة خاصّة، وهذا يوجب اعتماد التعقّل والرَويّة والأَناة، وعدم التسرع في القرار، كما أنه لا يعني مصادرة رأي المرأة، ولا ازدراء شخصيتها.
والمسلّم به ابتداءً أن الرجل والمرأة كلاهما من خلق الله، وأن الله - سبحانه - لا يظلم أحداً من خلقه، وهو يهيئه لوظيفة خاصّة ويمنحه الاستعدادات لإحسان الأداء في هذه الوظيفة.
قَوامة الرجل لا تعني انتقاص المرأة:
القَوامة أمر طبيعي تقره أي مجموعة تعيش مع بعضها بأن يكون لها قائد، كما أنها أمر طبيعي في المنزل الذي لابد أن يكون له قائد، والطبيعي أيضاً أن يكون القائد هو الرجل، والقرآن الكريم أقر التفضيل وجعله متبادل بين الزوجين، وعاد وأردف الله عز وجل في الآية الكريمة بقوله تعالى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ البقرة: 228، لكن قد يتخلى الرجل عن مسؤوليته ويُسقط عن نفسه التفضيل الذي منحه الله إياه، فهنا فقط تأخذ المرأة هذا الدور، وتُكَرَّم بالقَوامة على الأسرة، وأخذ الدرجة، كما أنها تُمنح هذه الدرجة وهذا التفضيل في حال وفاة الزوج، أو عند السفر أو الهجرة أو الجهاد أو غير ذلك.
إن قَوامة الرجل ليس انتقاصاً من دور المرأة أو قدرها في المجتمع؛ بل قوامته من أجل توزيع إلهي للأدوار، وتخصيص لأعمال كل طرف؛ بأن يتحمل مسؤوليته التي خصه الله بها وأنه الأجدر على أداء تلك المسؤولية.
الغرب والقَوامة:
اللافت للنظر أن الغرب هو الذي أثار موضوع قَوامة الرجل على المرأة، عندما طالب بالمساواة الكاملة بينهما، ومن هذا الباب دخل العلمانيون والمستشرقون بادعاء أن الرجل يتسلط على المرأة في المجتمعات الإسلامية تحت مسمى "القَوامة"، وهذا غير صحيح، وفهم خاطئ للقرآن، ولي لعنق آيات القرآن الكريم ليصلوا إلى ما يريدون، ولكي يتشدقوا بأن الإسلام ظَلَم المرأة. وروَّجوا لوجهة نظرهم تلك وبرروها؛ حيث ادَّعوا أن الخطاب القرآني يقرر أن الرجل أفضل من المرأة، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن القَوامة لا تعني السيادة ولا الأفضلية ولا السيطرة ولا الهيمنة على المرأة، ولكن تعني درجة أعلى في القيادة، وليس معنى القَوامة الانفراد بالرأي والسيطرة، وإلا لما أقر الإسلام مبدأ الشورى وحث عليه في جميع أمور الحياة، بما في ذلك أمور إدارة الأسرة التي يشترك في إدارتها الزوج والزوجة، حسبما جاء في الحديث الشريف: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
القَوامة والإنفاق:
القَوامة ترتبط بالإنفاق، ومسؤولية الرجل الإنفاق على بيته حتى لو كانت زوجته أغنى الأغنياء، فلا يجبرها على الإنفاق على البيت أو الأولاد، ولا يستطيع أحد إجبارها على ذلك، إلا إذا كان هذا الإنفاق برغبتها وطواعيتها.
ويرى أن الزوج المتعثر لبعض الوقت لا تسقط قوامته بتعثره المادي؛ لأن واجبه في حال تعثره أن يستدين ليفي باحتياجات الأسرة حتى تمر أزمته المادية، وبعد ذلك يقضي ما عليه من دين، وهذا بنص الآية الكريمة: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ الطلاق: 7، ولابد أن نراعي ألا ينفق الزوج فوق طاقته، ولهذا فالزوجة المسرفة لابد أن تراعي ظروف زوجها المادية، وتسير معه بقدر استطاعته على الإنفاق؛ فلا تكلفه فوق طاقته من أعباء مادية وشراء الكماليات، لأن الإنفاق يكون بقدر استطاعة الزوج وليس بقدر تطلعات الزوجة.
المصدر: موقع شبكة الألوكة
شاركنا بتعليقك