تحدث كثيرون عن العيش في "اللحظة" الراهنة والاستمتاع بها، لكن كيف يتم ذلك؟ هل هذا يعني أن نتجاهل التفكير والتخطيط، ونسلّم أنفسنا فقط لهذه "اللحظة"، أم أن هناك مفهوماً عميقاً في هذه "اللحظة" التي طالما أشبعناها تحليلا وتفسيراً؟ "اللحظة" حاضرة دوماً وموجودة حية ومتحركة لها صفة الديمومة، لذا يستطيع أي فرد خوضها والعيش فيها متى ما رغب ومتى ما وعى مفهوم ومعنى اللحظة.
لكي نعيش "اللحظة" الراهنة لا بد أن نصفي المخزون الداخلي لدينا، من أفكار مهيمنة ومسيطرة على حياتنا، والتي هي جزء من الإنسان لا نستطيع إيقافها، لكن نستطيع أن نحولها إلى أفكار خلابة وجميلة ومطمئنة، من طريق الوعي فيها ومعرفة المنبع الذي تصدر منه، كالاعتقادات و البرمجات التي تجرعناها منذ طفولتنا، أو من تجارب الحياة التي أصبحت راسخة في عقولنا.
الوعي يجعلنا ندرك ونعي مصدر هذه الأفكار، ونفهم اعتقاداتنا التي تسيّرنا بالخفية في اللاوعي، عندما ندرك هذه المصادر وكيف تؤثر في حياتنا وقراراتنا وعلاقات، سواء أكانت بالسالب أم الموجب، نستطيع نحن هنا أن نسيطر عليها ونحدد لها مساراً جديداً واعياً يجعلنا أكثر نضجاً واستقراراً نفسياً ومعنوياً داخلياً، هذا الاستقرار والهدوء الداخلي هو من يهيئ أنفسنا لاستقبال هذه اللحظة والاستمتاع بها بحب ولطف، مهما كانت سلبية أو إيجابية، إن كانت سلبية سنعرف كيف نتعامل معها بقبول وتقبل، ما يجعلنا في حال الرضا مهما كان الظرف، وهنا الذكاء؛ إذ نزيد فرص إيجاد الحلول المناسبة في ما بعد، لأن الفرد عندما يكون هادئاً أو متقبلاً سيعرف كيف يضع أقدامه باتزان من دون الخوض في معركة التوتر والقلق. طبعاً هذا يحتاج إلى الممارسة والتطبيق، وكأننا خارج الدائرة، ونحن فعلاً خارج الدائرة، بحيث نشاهد الأمور المعوقة أو الظروف برؤية جديدة، لذا تكون هنا خيارتنا وقراراتنا دوماً موضوعية خالية من الاستعجال أو الانفعال.
الفرد الواعي تجده دوماً متخذاً وضعية الشاهد والمراقب لكل شيء يمر في حياته، لا يغذي السلبي منها، بل يتروى ثم يتخذ القرارات المناسبة له، يستطيع أن يعيش اللحظة بكل جمالها ويتذوق نعمة الخالق في كل شيء، وربما نستغرب حتى الأمور القاسية منها، يشاهدها درساً أو معلماً يتعلم منها، فهي تضيف له لا تقضي عليه، وهنا تحديداً عندما تأتي اللحظات السعيدة أو الجميلة فإنه عارف كيف يعيشها بحب وجمال، بل يشارك الآخرين بها، لأنها لحظة قوية طبيعية تلقائية وعدوى جميلة لكل من حوله.
"اللحظة" عندما ننتبه إليها بوعي ندرك جمال الأشياء من حولنا، بل قبلها في أنفسنا، ابتداء من التنفس الذي نشعر به، والنعمة العظيمة التي رزقنا الله إياها، وملاحظة أقدامنا كيف تسير، وأيدينا كيف تتحرك، وأجسادنا كيف تكون بصحة وعافية، من يتأمل هذا كله يدرك قدرة الخالق، الذي أوجد كل شيء في هذا الوجود الكبير، فلا يقلق من أمر ما، ولا يخاف من شيء، فهو يعيش الاتكال والتوكل على العزيز الجبار. من هنا نعرف جمال الكون، وذلك بأن نعيش فعلاً لحظتنا التي تفتح نافذة أخرى لمشاهدة الجمال في الكون الشاسع.
"اللحظة" ليست فقط كلمة نقولها، بل تكمن فيها الحياة برمتها، ولكي ندرك قوة اللحظة علينا تنظيف داخلنا من البرمجات العائقة التي تتصف بالخوف والقلق والشعور بالضعف أو الظلم، ونصنع لأنفسنا اعتقادات أكثر نضجاً وحباً وسلاماً، من خلال ذلك تتفتح أمامنا أبواب عدة ستجذب لنا أشخاصاً ومعارف وعلوماً ومواقف وأحداثاً إيجابية، وسنخوض ونغوص في كل لحظة بجمال وسلام حتى تصبح عادة فينا تلقائية عفوية بعيدة عن التصنع.
قاعدة: تنظيف الداخل من الأفكار والاعتقادات السلبية يجعلنا نعيش اللحظة الحالية بكل ما فيها ونستشعر جمالها، بل ستكون القاعدة هنا "الجمال والسلام والحب تطغى على الخوف والكره والانتقام".
المصدر: جريدة الحياة
شاركنا بتعليقك