حبُّ المال غريزة فطرية لدى الإنسان، والسعي الحثيث نحو الثراء والاستزادة في الملذات والمقتنيات أمر طبيعي لدى الطبيعة البشرية، لكن الذي تغير في العصر الحالي، عصر ما بعد الحداثة والرأسمالية، أن هذا التوجه للمال والثراء والاستهلاك، أصبح أيديولوجية جندت لها عشرات الآلاف من الإعلانات والبرامج التسويقية، الهدف منها: إبعاد الإنسان عن المعنى والغاية من الحياة، ومن ثمة تحويل الإنسان إلى آلة منتجة، تدر أرباحا خيالية بشكل دائم مستمر.
أنتجت هذه الأيديولوجية، إنسانا تائها يعيش التناقض؛ بين أن يطبق الإعلانات التسويقية من كون الثراء والسعي المتواصل نحو الكسب الأكثر والأسرع والأوفر على كل المحيطين؛ هو السبيل الأمثل لتحقيق السعادة والنجاح، وبين غياب السعادة المزعومة في ظل الصراع القائم جراء ضغوط العمل الدؤوب والزحمة الشديدة في عالم السوق وتحدياته.
التركيز على اقتناء الممتلكات المادية، والشهرة الاجتماعية، يصرف عن كل ماله معنى في الحياة!
هذا هو المفهوم السائد منذ خمسة وعشرين قرنا حين حذّر الفيلسوف الصيني "لاوتسو" من خطورة القيم المادية الاستهلاكية، وعليه أكّد الحكماء من مختلف الخلفيات؛ فلسفية ودينية وسياسية.
بعد مرور كل تلك الفترة الزمنية، تطفو هذه النصيحة للسطح، -وهذه المرة- من استنتاج ضوضاء المادية الراهنة، ومن فرد؛ يعيش بيئة تلك الضوضاء في لدعوة للكثرة والوفرة وتجديد المقتنيات بين كل فترة.
كيف تصبح غنيا، من الكتب الأكثر إغراء ومبيعا، الإعلانات البراقة التي تتصدر صفحات الأنترنت،
هي صفقات رابحة للمشاهير للترويج بكل ماهو متاح بغض النظر عن العلاقة بينها، فقط إنها تركز على فلسفة: المتعة في التسوق! أيهما على حق؛ الحكماء أم المشاهير؟ ومن هو الأولى بالاتباع؟
في الإجابة عن سؤال قيمة المادية نجد تضاربا في الآراء، وقد ركّز الكاتب على عرض بعضها:
- قلق السياسيون على ثقافة الاستهلاك لأنها حلّت محل قيم العائلة والجماعة، في حين إن الاعتبارات الاقتصادية تؤدي في الغالب دورا مركزيا في قراراتهم.
- اعتقاد رجال الدين بأن من يهتم بالثروة سيفقد الشعور بالروحانيات الإلهية، في المقابل فإن وعاظ المسيحيين يحصلون على ملايين الدولارات من تبرعات مشاهديهم.
- بالرجوع إلى علم النفس، يركّز الكاتب بقوله: بوجود تناقضات في الإجابات بطريقة مماثلة، فمثلا:
- النظرية السلوكية أمثال: (ألبرت باندورا، وسكينر، وواطسون) تركّز على إن: تحقق السعادة والرضا لدى الفرد بحجم الممتلكات التي يمتلكها.
- نظرية الوجوديين، (أبراهام ماسلو) لهم رأي مخالف تماما، إذ يعتقدون بأن الحاجات الأساسية لصحة الإنسان النفسية تبنى على هرم الحاجات، ولا تتحقق واحدة بإغفال الأخرى، بل تؤدي به إلى الاغتراب النفسي وهشاشة في الصحة النفسية، كل هذا -حسبهم- لا يكتمل ولا يتحقق بإنفاق معظم الوقت في السعي للحصول على المال.
والأكثر من ذلك، أنهم يعتبرون أن من له هوس في التسوق واللهث وراء المال، يعاني من خلل في النمو والصحة النفسية ويشير إلى الاغتراب الأساسي عن كل ماله معنى حقيقي.
بعد كل هذا.. هل يستطيع المال شراء السعادة؟
لم يصبح الناس أكثر سعادة رغم أن حضارتهم كانت أكثر غنى!
أجريت دراسة على أمريكيين فتبينت النتائج أن نتائج السعادة تدنت من 35 إلى 29 في المائة، بعد اعترافهم أنهم كانوا سعداء جدا.
أما بالنسبة للمقارنة بين البلدان الأكثر غنى مع البلدان الفقيرة فإن السعادة تكون أكثر في البلدان الغنية بشكل عام، لكن الهامش قد يكون رفيعا، مع ذلك لا يمكن معرفة ما إذا كان ثمة عوامل أخرى في تلك البلدان غير المال:
ملخص من كتاب الثمن الباهظ للمادية، تلخيص الكتاب: مامة موسى واعلي.
شاركنا بتعليقك