إسهامات

المخدرات هذه الآفة الخطيرة القاتلة التي بدأت تنتشر في الآونة الأخيرة في كافة المجتمعات بشكل لم يسبق له مثيل، حتى أصبحت خطرا يهدد هذه المجتمعات وتنذر بالانهيار.

والمخدرات هذه السموم القاتلة ثبت من الأبحاث والدراسات العلمية أنها تشل إرادة الإنسان وتذهب بعقله، وتحيله بها لأفتك الأمراض، وتدفعه في أخف الحالات إلى ارتكاب الموبقات. وتبعا لانتشار هذه المخدرات ازداد حجم التعاطي، حتى أصبح تعاطي المخدرات وإدمانها وترويجها مصيبة كبرى ابتليت بها مجتمعاتنا الإسلامية في الآونة الأخيرة، وإن لم نتداركها ونقض عليها ستكون بالتأكيد العامل المباشر والسريع لتدمير كياننا وتقويض بنيانه، لأنه لا أمل ولا رجاء ولا مستقبل لشباب يدمن هذه المخدرات، ذلك لأن الأفراد الذين يتعاطون المخدرات يتطور بهم الحال إلى الإدمان والمرض والجنون ليعيشوا بقية عمرهم – إذا امتد بهم العمر – في معزل عن الناس وعلى هامش الحياة لا دور لهم ولا أمل.

وبزيادة إقبال الشباب على تعاطي هذه المواد المخدرة، لم يعد الأمر مقتصرا على مجرد حالات فردية يمكن التعامل معها، من خلال المنظور الفردي سواء بالعلاج الطبي أو الجنائي، بل تحول الأمر إلى ظاهرة اجتماعية، بل مأساة اجتماعية خطيرة، وهنا لابد أن ننظر إليها من مستوى اجتماعي وقومي.

فتعاطي المخدرات منحدر زلق خطير إذا وقع الفرد في بدايته لابد حتما من الانزلاق إلى نهايته المعروفة وهي الإدمان، ويرجع البعض من العلماء مشكلة الإدمان لتفاعل عاملين أساسيين هما:

  • الاستعداد الشخصي والنفسي.
  • عدم تكيف المدمن مع مجتمعه بما فيه من مشاكل.

ونتيجة لذلك يبدأ الإدمان مراحله الأولى التي ما تلبث أن تتلوها مراحل أخرى، تجر على الشخص مخاطر لا قبل له بها.

والخطورة في تعاطي المخدرات للمرات الأولى لا ترجع لما تحدثه من آثار سيئة على الفرد وعقله فحسب، بل إن مكمن الخطورة في الانزلاق إلى دائرة الإدمان، الذي يصعب الخلاص منها، لأن الأنسجة والخلايا عند تناول المخدرات في بادئ الأمر تستجيب للتغير الذي يحدثه المخدر، ثم يقل التجاوب بالتدريج وتقل الاستجابة لمفعول المخدر، مما يضطر المدمن إلى الإكثار من كميته للحصول على التأثير المطلوب إلى أن تغدو المادة المخدرة للمدمن كالماء للإنسان السليم. وهكذا تصبح حالة المدمن شديدة حيث يصعب عليه التوقف عن تعاطي المواد المخدرة، بل يتناول هذه المواد بشكل لا إرادي ليس ذلك فحسب، بل ويضطر لزيادة الجرعة التي يتناولها بشكل مستمر.

وفي سبيل وضع علاج حاسم وسليم لظاهرة انتشار المخدرات وخاصة بين الشباب، فإنه من الأهمية بمكان أن نتعرف على أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار المخدرات وتعاطيها، وقد أجريت دراسات عديدة لمعرفة ذلك، وتوصلت أهم تلك الدراسات إلى تقسيم الأسباب إلى:

  • أسباب حضارية والتي تكون مرتبطة بالبيئة الاجتماعية وأهمها: غياب القيم الإسلامية الرادعة، وكذا وجود الفراغ الروحي "الغفلة عن الصلة بالله" في المجتمع بصفة عامة، وكذلك انتشار الصحبة السيئة... وغيرها من الأسباب.
  • أسباب أسرية وتتمثل في: وجود الخلافات العائلية والتفكك الأسري، وانشغال الأب لأعمال كثيرة خارج المنزل ولفترات طويلة، وأيضا تكاسل الأسرة في تأدية دورها نحو الابن بالمواظبة على الصلاة في جماعة المسجد... إلخ
  • أسباب متعلقة بالمتعاطي نفسه: عدم الاستغلال الأمثل لوقت الفراغ فيما يفيد الفرد ومجتمعه، مصاحبة رفاق السوء، التخلف الدراسي وكثرة الرسوب المدرسي...

ولتجنب وقوع الشباب في شراك هذه المخدرات، وجب على الأسرة بدرجة أولى القيام بمهامها وتوفير احتياجات أبنائها والقيام عليهم، إذ أن أول سبب يمكن أن يجعل الشاب يسقط في وحل الإدمان والصحبة السيئة، هو انشغال الوالدين وغفلتهما عن إشباعه عاطفيا، مما يجعله يبحث خارج الأسرة عمن يشبع تلك الاحتياجات ليسقط ضحية للذئاب البشرية التي تفتك به.

 وكذلك الغفلة عن غرس قيمة الحياء من الخالق واستشعار مراقبته، وكذلك القيم الفاضلة التي تنمي في الابن حب الله والحرص على العمل الصالح لأجل التقرب إليه والنجاة دنيا وأخرى، ومما لا يغفل عنه أيضا ملأ أوقات الفراغ الخاصة بالابن بما يفيده ويزيده نماء سواء علميا أو عقليا او جسميا..

وحينما تكون الأسرة قدوة صالحة لأبنائها ستصدق أعمالها وأقوالها وينشأ الفتى في بيئة نقية بإذن الله بعيدة عن الانحراف وترسم لهم الأسرة بذلك الطريق السليم بعيدا عن تعاطي المخدرات والسلوكيات المنحرفة الأخرى.

-بتصرف-

المصدر: كتاب ظاهرة تعاطي المخدرات (الأسباب – الآثار – العلاج).

شاركنا بتعليقك