لا ندري بدقة متى ساء وضع المرأة في المجتمع الإسلامي؟ ومتى انحدرت عن المستوى الذي بلغته في صدر الإسلام؟
لقد كانت على عهد السلف الصالحين إنسانا يقوم بواجباته الدينية والدنيوية قياماً حسناً.
ما شَانها الجهل بالإسلام، ولا الغفلة عن قضاياه، ولا الإسهام في نصرته... ولا عُرفت بالتقصير في صلاة أو صيام أو زكاة.
ولا عجزت عن خدمة نفسها، وولدها، ورجلها، إن كانت من أهل الريف، أو أعراب البادية، أو ساكنات المدن، غير أننا نلحظ حالتها في القرون الأخيرة، فيؤذينا ما أصابها من تبلد وانحطاط ..!!
إنها نسيت واجباتها الدينية حتى كأنها لم تخاطب بأحكام الشريعة، ونسيت واجباتها الدنيوية حتى كأنها خلق يعيش على هامش الحياة، والمسئول عن ذلك هو الرجل، فإن سوء فهمه للإسلام، وسوء عمله به، أخر الجماعة الإسلامية كلها، وأصبحت وظيفة المرأة في نظره لا تعدو إشباع الجانب الحيواني منه، والجانب الحيواني في كل أمة متخلفة شيء لا يُنسى، إن نسيت حقوق وأهدرت حدود.
ونحن إذ نستنكر وضع المرأة بيننا في القرن الماضي مثلا، فإنما ذلك بالنسبة إلى حال المرأة في تاريخنا الأول، أما بالنسبة إلى حياة المرأة في أوروبا وأمريكا الآن، فنحن نعتقد أن المرأة العاطلة أفضل من المرأة الفاسدة، وأن النساء المحتبسات في المخادع والبيوت، المقصورات على خدمة الولد والزوج، أشرف من النساء اللواتي يتكشفن لكل عين، ولا يرددن يد لامس.
إن التعطل عن العمل شر، ولكن الاشتغال بالأعمال الدنيئة شر أكثر، ولا نريد أن نوازن بين شرين لنختار أحدهما، بل نريد أن نحقق ما طالبنا الإسلام به، من إقامة مجتمع يشترك الإنسان معا في بنائه وحمل تبعاته.
إن جنس الذكور عموما أقوى من جنس الإناث، وقد يكون هناك فاصل من الإناث أقوى من بعض الرجال، فزوجة الأسد في غابها أقوى من الديك بين دجاجه.
وكم في الجنس الإنساني الواحد من اختلاف بين أفراده، يشبه الاختلاف بين نوع ونوع، والناس معادن، إلا أن امتياز أفراد من النساء لا يعني خدش الحقيقة العامة التي ذكرناها، وهي أن الرجال في الجملة أقدر من النساء، وأنهم بناة العمران، وعلى كواهلهم القوية نهضت الحياة الإنسانية، ولا يزال الرجال إلى عصرنا هذا، وسوف يبقون على مر العصور، قادة كل نشاط مدني أو عسكري.
بل أن النهضات النسائية -كما تسمى- ليست إلا وليدة شعور بالرقة والألم غمر قلوب بعض الرجال، فقاموا يحررون المرأة من القيود التي رماها بها رجال آخرون.
والفساد الذي عرا هذه النهضات ليس إلا وليد رغبة في الإثم، وحب للشهوات، دفع بعض الرجال إلى تعرية المرأة في الأحفال الساهرة، أو على الشواطئ البعيدة، لتيسير الحرام، وإجابة غرائز السوء.
المرأة في كلتا الحالتين تابع يراد به الخير، أو يراد له الشر، وما يفكر فيه الأن فريق من الرجال والنساء، من أن المرأة تعادل الرجل في كل شيء، ويجب ألا تقل عنه في حق ما، ليس إلا عبثة يراغم طبائع الأشياء، ويصادم أحكام الدين، ويؤدي إلى أوخم العواقب.
بل هو في نظري مكر من بعض الرجال الخبثاء لاستبقاء وتنمية أحوال يذبح فيها الشرف، ويدوخ لها المجتمع ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ النساء: 34.
هذا حكم يعتمد على حقائق كونية، كما تقول الشمس أكبر من القمر، وهذا التفصيل لا يفيد أن القمر حقير، ولا أنه مظلم، ولا أنه تافه الأثر، فلكل من الكوكبين عمله المنوط به، وفضله المرجو منه، ولو أن كل شيء في الوجود أدى رسالته تبعا لاستعداده الخاص لازدهرت الدنيا واستقام أمرها.
أما أن يذهل هذا عن وظيفته اللاصقة به، وذاك عن عمله المعد له، ثم يرمق وظيفة الآخر بتطلع ولهفة، فذلك ما لا تصلح عليه الحياة، ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ النساء: 32.
ويقول الرسول ﷺ: "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء" وفي رواية: "لعن رسول الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء".
والإسلام بنى الكيان الأدبي للمرأة على دعائم راسخة، ولا نعرف نظاما في الأولين والآخرين أولى النساء بهذه الرعاية ، أو أسدى لهن هذه الكرامة، كان الناس يتجهمون لمولد الأنثى وتسود وجوههم لمقدمها، وكان الأعرابي يقول: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة.
حتى ظهر محمد ﷺ فصان حياتها، وأحسن استقبالها، ورفع منزلتها، وهي طفلة، ثم وهي زوجة، ثم وهي أم:
• فجعل طفولتها سترا من النار، وطريقا إلى الجنة.
• وأوجب اكرامها وهي زوجة واستوصي بها خيرا.
• وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات.
• ووصلها بالحياة الإسلامية العامة، فأباح المسجد الجامع لها تطرقه مع الرجال خمس مرات في اليوم.
• ومكنها من الجهاد إذا أطاقته، ويسر لها الالتحاق بخدمة الجيش، تمرض الجرحى وتسقي العطشى، بل تعين على نصرة الحق إذا وجب العون، فإن أم سلمة حملت السيف في موقعة أحد ساعة الروع، كما قاتلت صفية في غزوة الأحزاب، وصرعت أحد اليهود.
وولى عمر بن الخطاب، "الشفاء"، أمر السوق في المدينة -وكانت امرأة كاتبة-، وسوى الإسلام بين الجنسين في أعمال البر كلها، فأرجحهما عند الله ميزانا أخلصهما نية، وأكثرهما سعيا.
إلا أن العمل الأول للمرأة، هو حسن تبعل الزوج، أو بتعبير العصر الحاضر حسن القيام على شئون البيت، وأحوال الأسرة، ورعاية الرجل والأولاد، واجادة المرأة لهذا الواجب يغنيها عن سائر الواجبات العامة من اجتماعية أو سياسية.
إن الجهد المبذول في هذه الأنحاء ثانوي بالنسبة إلى الوظيفة الأولى للمرأة، وهي الإشراف على الأحوال الداخلية للأمة، ومن الكلمات السائرة أن وراء كل رجل عظيم امرأة، وفي هذه الكلمة كثير من الحق، فإن الرجل الكبير في حاجة إلى من تريح أعصابه، وتخفف أعباءه، وتنشطه إذا كسل، وتسكنه إذا قلق، بل إن كل رجل بحاجة إلى مثل هذه المرأة، تشاطره مغارم الحياة ومغانمها.
ومن الحماقة تحقير هذه الوظيفة، أو اعتبارها زراية بالمرأة، إن تحقير المرأة هو اقحامها في ميادين تكون فيها قليلة الغناء، وشغلها بحمل القلم في ديوان، أو قبض النقود في دكان، أو مزاحمة الرجال في أمور هم عليها أقدر، وترك البيوت خاوية ممن يستطيع وحده قيادتها وتوجيهها.
والحق أن الشيطان من وراء هذا الخبط في توظيف المرأة، وقلما يتمحض غرض شريف في جرها من البيت، وتكليفها بعمل هنا وعمل هناك، ولا بأس أن ننقل هنا بعض ما للمرأة من حقوق منزلية ، كم قررها ابن حزم في كتابه "المحلى": "والإحسان إلى النساء فرض، ولا يحل تتبع عثراتهن"، وبرهان ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ النساء: 19، وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ الطلاق: 6.
فإذا حرم التضييق عليهن، فقد أوجب لهن التوسعة، وافترض ترك ما يضرهن.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ خطب الناس، فذكر كلاما كثيرا، وفيه: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فراشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، قال أبو محمد: لم يعن رسول الله فراش المضجع ذلك أمر يجب فيه الرجم على المحصنة، لا أن يؤمر فيه بضرب غير مبرح، وانما عنى رسول الله ﷺ بلا شك كل ما افترش في البيوت، داخل الحجرات كلها، ونهى لها أن تدخل في مسكنه، أو في بيته من لا يريد دخول منزله رجلا كان أو امرأة.
وأيا ما كان الرأي في هذا الموضوع، فالذي لا شك فيه أن الإسلام يتضمن أصولا تكفل النساء أفضل ما يعشن به وافرات كريمات.
ولو رجعنا البصر في أحوال المرأة المسلمة قبل ألف سنة لرأيناها استمتعت بميزات مادية وأدبية لم تعرف للنساء في القارات الخمس، ونحن نؤكد أن هذه المرأة قبل ألف سنة كانت أشرف نفسا، وأربى حظا، وأزكى وضعاً، من زميلتها الآن في الغرب.
المصدر: كتاب الاسلام والطاقات المعطلة، محمد الغزالي، صفحة 85-91.
شاركنا بتعليقك