مما يؤسف له أن كثيرا من الناس لا يفهم من هذا المصطلح سوى التراجع والتنازل والاستسلام.. وبذلك يتحول من ميزة إلى ثغرة في الشخصية! أعني بالمرونة الذهنية هنا قدرة العقل البشري على إدراك الفروق الدقيقة بين الأشياء، والمراوحة المستمرة بين الأسس والأصول وبين المسائل الفرعية التخصصية، بالإضافة إلى القدرة على تعرية الألفاظ والمصطلحات مما يعلق بها من شوائب الاستعمال والتقليد، إلى جانب قدرته على فهم العلاقات الخفية بين الأشياء والتأبي على (القولبة) والنماذج الجاهزة ... ولعلنا نفصل بعض هذه القضايا في المفردات التالية:
أ. من مظاهر المرونة الذهنية وتطبيقاتها القدرة على إدراك العلاقات (المتدرجة) بين الأشياء؛ فالحرام ليس درجة واحدة، إذ إن حرمة الغيبة ليست مثل حرمة قتل النفس أو الزنا، والفرائض والواجبات أيضأ درجات؛ فوجوب الصدق ليس كوجوب الصلاة أو الزكاة.
حين نتعامل مع أشياء ذات أوساط متدرجة، فإن وضع اليد على المفصل یکون أمرا تقديريا اجتهاديا؛ فمن الصعب في لوحة زيتية ذات ألوان متداخلة أن نقول: هنا يبدأ اللون الأصفر، وينتهي اللون البرتقالي، ولو فعلنا ذلك لوقعنا في التعسف والتحكم بين ما لا يشك أنه أصل، وما لا يشك أنه فرع (منطقة برزخية) تحتمل الخلاف الجدي؛ لأنها تحمل من خصائص الطرفين، وتظل قابلة للنزاع، مهما كان وعينا عظيما، وإدراكنا لمثل هذا يوفر علينا الكثير من الجدل والأخذ والرد الذي لا طائل تحته.
ب. القدرة على فهم الفوارق الدقيقة بين الأشياء مظهر آخر من مظاهر المرونة الذهنية؛ ومن المعروف أن المرء حين يحاول اكتشاف تشابه بين شيئين فإنه يستطيع في أكثر الأحيان أن يجد أكثر من وجه شبه واحد؛ لكن المهم أيضا ألا ننساق وراء التشابه الظاهري أو الجزئي، وننسى الفوارق العظيمة التي تميّز بين المتشابهات.
ج. من أمارات المرونة الذهنية القدرة على وزن مصادر المعرفة بطريقة صحيحة، وعدم الخلط بين معلومات تفيد الظن، وأخرى تفيد اليقين، وقد حاول علماء المسلمين القدامى اتخاذ صحة الإسناد والبرهنة العقلية المنطقية سبيلين للوصول إلى عصمة الذهن من الخلط بين القطعي والظني، ووصلوا في ذلك إلى ضوابط رائعة، لكن المشكلة كانت تكمن دائما في القدرة على تعميم تلك الضوابط بحيث تصبح جزءا من ثقافة الأمة، وفي استخدامها وتطبيقها خارج نطاق العلوم، أي في الحياة اليومية والمواقف المختلفة.
د. نحن دائما على صلة بعالمَيَن مختلفين: عالم المدركات الواضحات وعالم الغوامض والمبهمات، وقد جرت العادة أن نستخدم "الفلسفة" وسيلة للتعامل مع المسائل الغامضة، أما الأمور الواضحة، فإننا نسيطر عليها من خلال الملاحظة والتجربة وإدراك أبعادها المختلفة. من المهم أن نفرق بين معطيات الفلسفة ومعطيات العلم، فمهمة الفلسفة لا تتجسد في مَدِّنا بالمعلومات، وإنما في زيادة شفافيتنا، وفسح المجال أمام استشراف المستقبل، وتكوين قدراتنا في مجال التعليل والتحليل، إنها تُعلِّم الشمول، لكنها لا تمنح أبدأ الدقة، ولا تُسعفنا باليقين.
أما العلم فإنه على العكس من ذلك، فهو يوقفنا على جملة من الخبرات الجزئية الدقيقة لكنه ينفر من التعامل مع غير المحدد والمبلور والملموس، ويظهر التصلب الذهني بوضوح حين يدافع أكثر الناس عن وجهة نظرهم ورؤيتهم الحدث ما دفاعا مستميتاً، حيث تبدد الساعات الطوال في البرهنة على قضية لا يحسمها أي برهان ولا أي جدال مهما طال.
أما صاحب الذهن المرن، فيعرف أنه يقف على أرض هشة، وأن ما تجمع لديه من مقدمات ومعطيات، لا يكفي لجعل تحليله وحُكمِه قطعياً، ومن ثم فإنه يكتفي بعرض وجهة نظره، وإبداء رأيه في وجهات نظر الآخرين تاركا لمناظريه الخوض في الظنون والأوهام، ومحاولات القبض على السراب.
ه. العقل المرن يُفرِق بين القيمة الأصلية والقيمة الإضافية للأفكار والأساليب والأشياء... ففي مجال الإصلاح الشامل -مثلا- تكتسب التربية الصحيحة للأجيال أهمية خاصة، حيث إن المجتمع، لا يمكن في النهاية أن يكون أقوى من مجموع أفراده.
أما القيمة الإضافية، فتتجلى في إمكان القيام بالتربية المطلوبة في أجواء يسودها الفساد والخوف والانغلاق والطغيان ... فإذا قلنا: إن التربية الجيّدة يمكن القيام بها في هذه الأجواء، فهذا يعني أن التربية تكتسب قيمة إضافية، حيث لا يحتاج القيام بها إلى إصلاح المناخ العام الذي يحتاج في العادة إلى وقت طويل، وهذا يعني توفير الكثير الكثير.
أما إذا قلنا: إن التربية المطلوبة، لا تتم في تلك الأجواء، فإن التربية تفقد آنذاك القيمة الإضافية، كما أن الإلحاح عليها قبل توفير أجوائها، يفقد الكثير من قيمتها؛ لأن حصولها سيكون عسيراً، ونتائجها محدودة، وذلك كله لأن أهمية تطبيق منهج أو فكرة أو أسلوب، تتناقص كلما كانت شروط تجسيده أشق، وكلما كانت الفئة التي يمكن إيصاله إليها أو قيامها به ضئيلة ومحدودة والعكس بالعكس.
إن من المؤسف أن كثيرا منا يطالب بنشر أفكار طيبة دون أن يعير أدنى اهتمام لتدبير الوسائل والآليات التي تجعل نشرها ممكنا، أو التفكير فيما إذا كان توفير تلك الوسائل هو من الممكن أصلاً.
مظاهر المرونة العقلية كثيرة، واستقصاؤها يطول، فلنكتف بما ذكرناه.
-بتصرف-
المصدر: كتاب عصرنا والعيش في زمانه الصعب، د. عبد الكريم بكار، صفحة 150-154.
شاركنا بتعليقك