إسهامات

 كثيرون يعتبرون مجرد انتحالهم لاسم الإسلام كافيًا لتحـقيق أمانيّهم ولا شيء وراء ذلك. إنك تعجب حقًّا؛ هذا الدين الذي حملت مضامينه تلك الحفاوة الشديدة بالعمل، وربطت كل أسباب التوفيق والسعادة به، ونزعت عن تاركيه كل صفات الخيرية، ثم يطول الأمل، وتقسو القلوب، ويصبح المسلم في حاجة إلى من يذكره ويؤكد له أن مجرد انتحال الاسم لا يعني شيئًا، ولا يغني شيئًا. هل مجرد ادعاء الإنسان أنه عاقل -مثلاً- أو غني، أو قوي، أو صحيح البنية، أو عالم، أو سعيد.. يجعله كذلك؟ أو يغير من واقعه شيئًا؟ إن مجرد الأمانيّ العابرة والأحلام الطائرة، لا تنفع ولا تدفع إذا لم تكن زادًا ووَقُودًا لفعل الأسباب الشرعية والطبيعية، واجتناب الموانع والعوائق والأوهام.

وهنا لا بد من التفطن لثلاثة أمور:

  • إن هناك الأدعياء الذين يكتفون بالاسم ورفع الشعار، ثم ينامون قريري العيون.
  • إن هناك من يطبق فهمًا منقوصًا سبق إلى ذهنه، وظنه هو الحق؛ فهناك من يرى الإسلام عبادةً فحسب، أو زهدًا فحسب، أو قتالاً فحسب، أو ما شاء له تصوره.. ويتمسك بهذا، معرضًا عما سواه.. وقد يرى الإسلام مظهرًا وشكلاً مجردًا دون مضمون حقيقي.
  • إن هناك من يفهم الأمر على حقيقته لكنه لا يعمل به. وها هنا لا مشكلة في الفهم والإدراك، لكن المشكلة في التنفيذ.

وقد كانت آيات القرآن الكريم حاسمة في هذا المقام: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾(النساء:123-124)؛ النص واضح وصريح، الانتماءات والأسماء وحدها لا تكفي -ولو كانت شريفة وصحيحة في ذاتها- حتى يقترن بها العمل، الميزان مرتبط بــ"من يعمل".

العمل أساس نجاح الفرد أو فشله، وأساس قوة المجموع أو ضعفه، وأساس السعادة الدنيوية، وأساس النجاة الأخروية. وبالتعبير الشرعي، فـ ”العمل الصالح” هو القيمة المعتبرة، والتي تترتب عليها آثارها المحمودة في العاجل والآجل. وهذا العمل الموسوم بالصلاح، هو الذي تتحقق فيه الشروط الضرورية، والتي جملتها:

أ- صلاح النية وحسن المقصد، وهو ما يعبر عنه بـ ”الإخلاص”.

بـ- التزام الشرع و موافقة السنة ، وهو ما يعبر عنه أحيانًا بـ ”المتابعة” أو بـ ”الصواب”، وهما مجتمعان في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ هود:7

فحسن العمل يدور على هذين القطبين، أيْ أكثر إخلاصًا لله، وأكثر إصابة للشريعة والتزامًا بالمنهج، ولهذا، لم يأت في النص القرآني التعبير بـ ”أيكم أكثر عملاً”، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا، لم يقبل، فلا يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا.

ولقد حاولت أن أحصي المواضع التي وردت فيها كلمة "العمل الصالح" في القرآن الكريم بتصريفاتها مع المحافظة على اللفظين، فوجدتها نحوًا من تسعين موضعًا. أما كلمة "العمل" مع وصف آخر غير الصلاح، أيًّا كان، أو مطلقة غير موصوفة، فهي أكثر من ذلك بكثير، إنها حسب إحصاء سريع نحو ثلاثمائة وستين موضعًا، ولا يخلو سرد تصريفاتها من فائدة: عمل، يعمل، يعملون، اعمل، اعملوا، عامل، عاملون، عاملة، عمل، أعمال.. إلخ. إنها إشادة صريحة بأهمية العمل وقيمته وضرورته للحياة.

-بتصرف-

المصدر: مقال للأستاذ: سلمان العودة من موقع مجلة حراء.

شاركنا بتعليقك