العقل البشري لا يقف نشاطه عند حدود الاستقبال المباشر والتعامل المباشر مع ما تتلقاه حواسه من العالم من حوله.. العقل البشري يتميز بالآتي:
- النفاذ إلى ما وراء الأشياء.
- البحث عن معنى لكل شيء من حوله.
- الرؤية الشمولية وليس الرؤية الجزئية.
- وضع استراتيجية عامة لكل حياته مرحليا وللمستقبل.
- تقييم أفعاله ونقدها نقدا ذاتيا.
- الاستفادة من تراكم الخبرات والمعلومات لتحسين الأداء في المستقبل.
- قياس الزمن وأخذه كعامل أساسي في تنظيم حياته وحساب إنجازاته.
هذه هي إمكانيات العقل الإنساني، ولهذا استخلفه الله في الأرض، وطلب منه أن يعمرها ويصلح فيها وألا يفسدها. ولذا فالإنسان كائن متطور، يضيف ويغير ويبدع، وقصة الحضارة تكشف لنا عن المراحل التي مرّ بها الإنسان تطورا وارتقاء.
وترتبط الإنجازات الإيجابية بالقدرة على الرؤية الأنفذ والنظرة الأشمل، وكذلك القدرة على التخطيط ووضع الاستراتيجيات قصيرة المدى وطويلة المدى، ولا يستطيع إنسان أن يضع استراتيجية دون أن تكون له رؤية شمولية تتجاوز التفاصيل والجزئيات، وترتفع الترى الرقعة كاملة فتكشف عن العلاقات المختلفة التي تربط الأجزاء كلها وتفاعلاتها مع بعضها البعض، وتأثير كل منها على الآخر سواء إذا كان تأثيرا مباشرا ما بين جزء وجزء أو تأثيرا غير مباشر عن طريق جزء ثالث، فإذا تصورنا مثلثا يقف على قمته حرف (أ) ويقف على طرفي قاعدته حرفا (ب) (ج).
فإن عدة علاقات مباشرة وغير مباشرة تم ما بين (أ) و (ب) و (ج)، فهناك علاقة مباشرة ما بين (أ) و (ب) وعلاقة مباشرة ما بين (ب) و (ج)، وعلاقة مباشرة ما بين (ج) و (أ)، ولكن (أ) من الممكن أن يكون لها تأثير غير مباشر على جد عن طريق وسيط ثالث وهو (ب).
ومن السهل أن تكشف عن العلاقات المباشرة، ومن الصعب أن نكشف عن العلاقات غير المباشرة لأنها تحتاج إلى رؤية شمولية ورؤية أكثر نفاذا وعند وضع خطة أو استراتيجية يجب على الإنسان أن يأخذ في اعتباره العلاقات غير المباشرة والعلاقات الخفية غير المرئية والعلاقات التحتية والعلاقات ذات الأثر البعيد وليس الفوري فقط، والعلاقات ذات الأثر التدريجي البطيء وغير المحسوس.
هذا الفهم يفيدنا أن نأخذ في اعتباراتنا توازنات معينة، وأن يكون لدينا مرونة لنتراجع أو نصل إلى حلول وسطى أو حتى نتنازل ونتسامح أو نؤجل ونرجئ ونقدم شيئا على شيء أو نؤخره.
وهذا الفهم يفيدنا أيضا في ألا نتمادى وألا نبالغ وألا نتعصب وألا نتحيز.
وهذا الفهم يفيدنا أيضا في أن نستمع لوجهات النظر الأخرى والآراء المخالفة والاستفادة منها، بل لا مانع من أن نتنازل عن رأينا ونتراجع عنه إذا اقتنعنا بصحة الرأي الآخر، هذه هي سمات أساسية في نشاطات العقل البشري وخاصة لدى الناجحين والبارزين والعظماء والمبدعين.
ولا يستطيع أحد أن ينجح نجاحا عظيما إلا إذا امتلك هذه السمات، والسمات العكسية تكسب الإنسان فشلا ذريعا، كالنظرة السطحية والمحدودة والتعامل المباشر مع الجزئيات والتدخل في التفاصيل ابتعادا عن الجوهر والتحيز والتعصب والتمادي والعناد والتصلب وإهمال قيمة الرأي الآخر والحساسية الشديدة للنقد.
والاستراتيجية لأنها استشراف المستقبل والاطلاع عليه فإنها تتضمن الأهداف البعيدة والاهداف القريبة، وربط هذه الأهداف القريبة بالأهداف البعيدة، لا انفصال بينهما، بل هي مراحل، وكل مرحلة تقود إلى الأخرى، خط واحد، طريق واحد، سلسلة واحدة، حلقات متصلة، ولهذا فصاحب الاستراتيجية لا يقفز قفزات عشوائية أو مباغتة أو غير مدروسة، كل شيء مدروس، وكل شيء بحساب، حتى المخاطرة محسوبة، ولكن في نفس الوقت قادر على التغيير والتبديل والتعديل وفقا لمتغيرات لم تؤخذ في الحسبان في البداية أو متغيرات مفاجئة، وعادة ما يكون التغيير في التكتيك المرحلي أو يتناول مرحلة معينة ولا يمس الاستراتيجية الكلية، وذلك لسبب هام جدا وهو أن الاستراتيجية عادة ما تكون مرتبطة برسالة، هدف أسمى، غاية عليا، فالعظماء أصحاب رسالات، وكل إنسان عظيم لابد أن يكون له رسالة في هذه الحياة، رسالة تتعدى حدوده الشخصية، وتشمل بيئته أو محيطه أو مجتمعه أو وطنه أو الإنسانية كلها في أي مكان في العالم، وأصحاب الرسالات مرتبطون بالمبادئ الأخلاقية، مرتبطون بمنفعة البشر، مرتبطون بفعل الخير، وأيضا يعتبرون أنفسهم مسئولين عن محاربة الشر، أصحاب الرسالات بينما هم ينفعون أنفسهم وبشكل مباشر، فإنهم أيضا ينفعون الآخرين ويعملون من أجل خيرهم، لا تعارض بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة ما دامت هناك قاعدة أخلاقية ترتكز عليها وننطلق منها.
وحتى الأعمال البسيطة والجزئية لابد أن تنطوي على رسالة تقوم على مبادئ، كل إنسان في هذه الحياة لابد أن تكون له رسالة، أن يكون له دور إيجابي في هذه الحياة أن يفعل شيئا من أجل الآخرين، ألا يعيش لنفسه فقط، أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أن يحب مجتمعه وأن يحب وطنه وأن يحب الإنسانية جمعاء، وهذا ينقي نفسه، يدفع بالصفاء إلى عقله، يعمر قلبه بالرحمة، وتسمى روحه.
تلك هي الحالة الروحانية والوجدانية التي يكون عليها الناجحون والعظماء الذين ينفعون الناس، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.
وعموما فالناس ينقسمون إلى قسمين:
1. قسم يكون محور حياته هو نفسه فقط، هو المحور وهو المركز وهو الأهم.
2. وقسم آخر يكون محور حياته المبادئ الإنسانية والتي تجعل للآخرين نصيبا في كل ما يعمل وأن تتسع خطته واستراتيجيته لتشمل الآخرين، ولا خلاف حول هذه المبادئ وهي: الأمانة والاحترام والحب والوفاء بالجميل والعدل والإنصاف والولاء والمسئولية والعمل الجاد والاعتدال.
وهذه المبادئ بالإضافة إلى أنها تجعل الإنسان يخرج من حدود ذاته ويتخلى عن الأنانية، فإنها أيضا ترفع عنه القلق وتكسبه الصبر والنفس الطويل، ومع الأيام تسبغ عليه الحكمة فلا ينزعج من خسارة أو فشل مرحلي ولا يتعجل المكسب السريع وإنما ينظر دائما إلى النهايات وإلى الكسب البعيد، والذين يتعجلون المكسب القريب قد يضعفون أمام إغراءات تبعدهم عن الطريق القويم وتشدهم إلى الحرام وتهبط بهم إلى الدرك الأسفل في سلم القيّم الأخلاقية، وهؤلاء الذين ليس لهم رسالة في الحياة والذين يتمركزون حول أنفسهم ويتسمون بالأنانية الشديدة.
بعض الأفعال الخاطئة منشؤها قِصَر النظر والرؤية المحدودة وتعجل المكسب فتزل قدم الإنسان ويهوى، وبعض الأفعال الخاطئة منشؤها تركيز الإنسان على النجاح الخارجي السطحي الذي يبغي به إعجاب الناس وإبهارهم، وبعض الأفعال الخاطئة منشؤها الأنانية الشديدة والنرجسية وعشق الذات إلى حد إلغاء الآخرين وعدم الإحساس باحتياجاتهم.
وهذه الأفعال الخاطئة تمثل إهدارا للقيم الأخلاقية الرفيعة مثل:
الكذب والغش والخداع والنصب والسرقة والخيانة والقسوة والعنف.
وهؤلاء يظنون أنهم سيقبضون على أشياء ثمينة، ولكنهم في الحقيقة يقبضون على الهواء وتنتهي حياتهم أسوأ نهاية.
وتلخيصاً لما سبق نقول إنه لن ينجح نجاحا عظيما إلا:
- من كان له رؤية ثاقبة.
- من كان له رؤية شمولية.
- من كان قادرا على وضع استراتيجية تنطوي على الأهداف القريبة والبعيدة معا وحسابات الزمن والتتابع والمرونة وتقبل الرأي الآخر.
- من كانت له رسالة أبعد من حدوده الشخصية وتشمل الآخرين بالنفع والخير.
- من تمسك بالمبادئ وجعلها محورا لحياته وآماله، كالصدق والأمانة والشرف والمحبة والإخلاص والولاء.
المصدر: كتاب كيف تنجح في الحياة، د. عادل الصادق، ص 190-195.
شاركنا بتعليقك