لعل هذا الموضوع من أخطر الموضوعات في حياة الإنسان، إنه الوقت، لأن الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
ورد في الأثر: " ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
من أدق تعريفات الإنسان عند الإمام الجليل الحسن البصري أن: "الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه"، لو أن واحداً منا عمره عند الله ثلاثاً وسبعين سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وأربعة أيام، وسبع ساعات، وأربع دقائق، وثماني ثواني، كلما مضت ثانية مضى بضعٌ منه، كائن متحرك إلى هدف ثابت.
لذلك قالوا: النقطة إذا تحركت رسمت خطاً، والخط إذا تحرك رسم سطحاً، والسطح إذا تحرك شكّل حجماً، والحجم إذا تحرك صار وقتاً، فالوقت هو البعد الرابع للأشياء كيف؟
أي شيء مادي له أبعاد ثلاث، له طولٌ، وعرضٌ، وارتفاع، لكن الله سبحانه وتعالى جعل الكون متحركاً، لولا حركته لأصبح كتلةً واحدة، لأنه من خلال هذه الحركة تنشأ قوى نبذ تكافئ قوى الجذب، فهذا الكون على عظمته متحرك.
الآن الوقت هو البعد الحركي للأشياء، فالشيء إذا تحرك تبدلت خصائصه، اللون مع مضي الوقت يختلف، المتانة تختلف، المنظر يختلف، الإنسان يختلف، انظر إلى صورتك في السنوات العشر الأولى وانظر إليها في السبعينات، الفرق كبير جداً، هذا هو الوقت، الوقت هو البعد الرابع للأشياء.
ما مضى فات والمؤمل غيب وللإنسان الساعة التي هو فيها :
الإنسان بين وقت مضى، ووقتٍ لم يأتِ بعدُ، وبين اللحظة الراهنة، الوقت الذي مضى لا جدوى منه، الحديث عنه مضيعةٌ للوقت، معظم الناس يتحسرون على وقتٍ مضى، يقول لك: الأرض كانت بسعر، الآن أربعمئة ضعف، وكان بإمكاني أن أشتري أرضاً، يمضي حياته في الندم.
مما أُثر عن سيدنا الصديق أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فما مضى فات. الذكي، العاقل لا يتحدث عن الماضي أبداً، لأنه مضيعةٌ للوقت، ما مضى فات والمستقبل غيب، لا تملكه، أنت إذاً لا تملك إلا اللحظة الراهنة.
لذلك الإنسان إذا قال: سوف أفعل كذا، ورد في بعض الآثار: " هلك المُسَوِّفُون "
سأفعل كذا، لا تملك المستقبل، أنا لا أصدق أن واحداً وافته المنية إلا وفي تصوراته أن هناك قائمةً من الأعمال لابدّ من أن ينجزها، مات ولم ينتهِ شيء بعد، لا يوجد إنسان بالقبر إلا كان في باله خطط، ومشاريع، وطموحات، وأعمال للمستقبل.
والإنسان ضمن مربع، هذا المربع هو أجله، وهناك خط ينطلق من هذا المربع إلى خارج المربع، فالذي إلى خارج المربع هو أمله، والأمل في الدنيا مهلك.
الوقت و المال أهم شيئين في حياة الإنسان:
الحقيقة الثانية: أنه لا يتصور وقوع حدثٍ إلا له مكان، ويظله زمان، وهناك محدث، وهناك غاية، أي حدث يقع على وجه الأرض لابدّ له من مكان، ولابدّ له من زمان، ولابدّ له من محدث، ولابدّ له من غاية.
لذلك هناك شيء اسمه الوقت، وشيء اسمه المال، أهم شيئين في حياة الإنسان مركزٌ في أعماق الإنسان أن الوقت أثمن من المال، الدليل، لا سمح الله ولا قدر لو أن إنساناً أصابه مرضٌ عضال، وأن كلفة العملية الجراحية في بلاد الغرب تساوي ثمن بيته الوحيد الذي يملكه، أؤكد لكم بالمئة ألف حالة من بني البشر لا يتردد الإنسان ثانية واحدة في بيع بيته الوحيد، وإجراء العملية، متوهماً أنه سيعيش بعض السنوات فضلاً عن وضعه الراهن، إذاً مركبٌ في أعماقنا أن الوقت أثمن من المال، وهذا شيء يفعله كل إنسان يبيع بيته لإجراء عملية جراحية تمد في حياته بضع سنوات.
دقق الآن، لو أن هناك إنساناً وقف أمامنا، وأمسك خمسمئة ألف وأحرقها، إذا شاهده ألف إنسان، كم واحد من هؤلاء الألف يحكم عليه بالجنون أو السفه؟ الجواب الألف، خمسمئة ألف تحل بها مشكلات كثيرة، تحرقها! لذلك قالوا: إتلاف المال يعد سفهاً.
الوقت أثمن من المال والإنسان لا يتفوق إلا إذا أحسن إدارة وقته:
لأن الوقت أثمن من المال، فيعد إتلاف الوقت أشد سفاهاً من إتلاف المال، سهرة، كلام فارغ، حديث بلا طائل، طُرف سخيفة، تبادل تهم، غيبة، نميمة، مسلسل، هذا الوقت الذي هو أنت، هذا الوقت رأسمالك الوحيد، هذا الوقت الذي لا تملك أثمن منه، لابدّ من ترشيد استهلاكه، وبالتعبير المعاصر: لابدّ من إدارة الوقت، يجب أن ترسم لك برنامجاً دقيقاً بحيث لا تضيع ساعة، هل تصدق أن واحداً من الناس جاء إلى الدنيا وغادرها وعمت رسالته الخافقين؟ إنه رسول الله، أنا لا أتصور أن هذا النبي العظيم ضيّع دقيقةً من حياته، لذلك استحق أن يقسم الله بعمره، قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ سورة الحجر.
لو عرفت قيمة الوقت لا تسمح لنفسك أن تضيع ساعة بلا طائل، كلام فارغ، لقاء تافه، عمل سخيف، حديث فارغ، تراشق تهم، غيبة، نميمة، الوقت ثمينٌ جداً لأنك وقت، لأن رأسمالك هو الوقت، لأن أثمن شيء تملكه هو الوقت، ملايين منا يستهلكون أوقاتهم استهلاكاً رخيصاً، لذلك الآن هناك شيء اسمه إدارة الوقت، والإنسان لا يتفوق إلا إذا أحسن إدارة وقته.
على الإنسان الابتعاد عن اللغو الذي لا جدوى منه، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ سورة المؤمنون.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾ وأفلح وردت في القرآن في بضع آياتٍ لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾ سورة الأعلى.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ سورة المؤمنون.
قال بعضهم: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ سورة المؤمنون.
اللغو كلام فارغ، لقاء سخيف، حديث بلا طائل، كلام معاد، كلام مكرر، و المؤمن الصادق يعرف قيمة الوقت فيرشد استهلاكه:
المؤمن الصادق عرف قيمة الوقت، فرشد استهلاكه، وصرفه في عملٍ ينفعه بعد الموت، أي شيءٍ تفعله للدنيا مضيعةٌ للوقت، لأن الدنيا تتركها وتذهب، أي عمل تفعله يدخل معك إلى القبر هذا هو المجدي، أعمال لا أقول هي حرام، لكن الشيطان ـ كما كنت أقول ـ يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمانٍ وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع بقي مع الشيطان ورقتان رابحتان، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، هذه الخصومات بين الجماعات الإسلامية من فعل الشيطان، هذه الخصومات التي تعود لأسبابٍ تاريخية، والدماء سالت من أجلها من فعل الشيطان، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم يفلح بقي معه ورقةٌ رابحة كبيرة، ورقة المباحات، استهلك وقته في تحسين دنياه، ويأتي الموت فينهي كل شيء، تصور إنساناً من لا شيء صار شيئاً، حسّن، رتّب، ارتقى بيته، ارتقت مركبته، ارتقت مكانته، وهو صاعد يقف القلب، بثانيةٍ واحدة يخسر كل شيء، لو أن كل نشاطه في الدنيا فهو أكبر مقامر، وأكبر مغامر، لأن البيض وضعه في سلةٍ واحدة، أما إنسان له عمل للآخرة، له عمل صالح، له إنفاق مال، له دعوة إلى الله، له نشر علم، له إطعام المساكين، له منشآت أسسها في سبيل الله، هذا إنسان عرف قيمة الوقت.
المؤمن أشد الناس طموحاً، فلذلك المؤمن الصادق إذا عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، لا يجد شيئاً أثمن من الوقت، يستهلكه بحذرٍ شديد، وبترشيدٍ بالغ، وليس عنده وقتٌ للكلام الفارغ، ولا للمشاحنات، حتى الجدال، المؤمن يدع الجدال.
-بتصرف- منقول من درس: الدكتور محمد راتب النابلسي " الوقت ملك لمن يملكه ".
جميييييييييييل