بجاية مدينة مشهورة بالمغرب الأوسط، تقع شرقي الجزائر على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، اختطها سنة ٤٦٠ هـ الناصر بن علناس أشهر ملوك الدولة الحمادية وأعظمهم شأناً، ثم اتخذها عاصمة ملكه وسماها الناصرية باسمه بلغت بجاية -في عهد الحماديين- درجة كبيرة من التقدم والعمران، واحتلت مكانة مرموقة بين حواضر العلم في المغرب والمشرق، فأمها الكثير من علماء مصر والشام والاندلس، فانتعشت الثقافة العربية وازدهرت الحركة العلمية، حتى قيل إن عدد المفتين فيها بلغ تسعين مفتياً في زمن واحد.
وبنهاية دولة بني حماد (٥٤٧ هـ) على أيدي الموحدين، ودخول المغرب الاوسط تحت نظام الحكم الجديد، أخذت بجاية تفتح صفحة جديدة من صفحات تاريخها الثقافي والسياسي والعمراني والعلمي. ففي هذا العصر، أصبحت معقلا من أهم معاقل الحركة العقلية التي عرفها الشمال الافريقي، ينتقل إليه عشاق الأدب وطلاب العلم والمعرفة من مختلف المدن والقرى ... وقبلة" تهوى إليها أفئدة المسلمين من بلاد الاندلس غرباً إلى أصفهان في بلاد العجم شرقاً، فاستهوت الباب عدد غير قليل من مشاهير العلماء ومدرسي العلوم وأهل الفتوى والقضاء الاندلسيين والتونسيين والليبيين، كعبد الحق الاشبيلي وابن سيد الناس اليعمري وأحمد بن خالد المالقي وغيرهم، فزاروها وأقاموا بها واتخذوها وطناً. كما نبغ في هذا العصر عدد من العلماء والشعراء والكتاب الجزائريين الذين نشأوا في المدينة أو أخذوا عن شيوخها.
دام حكم الموحدين للمغرب الأوسط ما يقرب من قرن ( ٥٣٩ - ٦٣٣ ه ) ، ثم تلاهم الحفصيون، وكانت مدينة بجاية هي عاصمة الجزائر الحفصية في هذا العهد .
التسمية:
وكانت بجاية في عهد القرطاجيين عبارة عن ميناء، اشتهر في العهد الروماني باسم صلداي (Saldae)، وتعود أقدم إشارة إليه إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت أراضيها قبل الاحتلال الروماني تابعة النوميدية ماسينيسا إلى أن استولى عليها يوليوس قيصر سنة 27ق.م.، وفي القرن الخامس الميلادي كانت مقرا لأسقفية ممثلة في مجمع قرطاجة المسيحي؛ ولا تُعرف أوضاعها بالضبط، أثناء الفترتين: الوندالية والبيزنطية.
وسرعان ما عوّضت تسمية بجاية تسمية الناصرية، في ظروف غامضة، وشُيّدت بها قصور، وعُمّرت بالناس الذين اعتكفوا على البناء وأحاطوا بها سورا مدعما بحصون، وشيدت بها دار لصناعة السفن. واستمر ازدهارها حتى صارت قبلة لطلبة العلم، يقصدونها من كل مكان لدراسة علوم الشريعة والرياضيات والفقه والطب والفلك، على يد أكثر العلماء شهرة في ذلك العصر.
كتاب عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية:
صنفه فقيهها وقاضيها ومؤرخها أبو العباس الغبريني، وترجم فيه لأكثر من مائة وأربعين من رجال القرن السابع الهجري - وأكثرهم عاصر العهدين، الموحدي والحفصي- يعد أحفل سجل عن هذه الحقبة الذهبية التي عرفتها المدينة الاسلامية العربية، ففيه يتبين للقارئ ما كان لهذه المدينة من الصلات الوثيقة مع مراكز الحركات الثقافية في العالم الاسلامي ، ومدى أثرها في الانتاج الأدبي من نثر و شعر وتاريخ ... وفي العلوم الدينية من فقه وأصول وتصوف ، الخ .
-بتصرف-
المصادر:
- كتاب عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، أبو العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله الغبريني الجزائري ص 7-8.
- كتاب: تاريخ بجاية، محمد بن عميرة، لطيفة بشاري بن عميرة. ص335-336.
شاركنا بتعليقك