إسهامات

إنَّ بر الوالدين مما أوحاه الله لِرُسلِه، فكل الأنبياء أُمروا به ودُعوا إليه، لكنه في الشريعة الإسلامية أجل مظهراً وأوضح تفصيلاً، فكان من بركات أهلها بحيث لم يبلغ بر الوالدين مبلغا في أمة مبلغه في المسلمين، ويوضِحُهُ تكرر الوصايا ببر الوالدين في القرآن وعناية النبي بشأنه في مواطن عديدة، ومما يلحظ في نصوص الكتاب والسنة التأكيد على بر الأمهات والتحذير من عقوقهن.

بل نجد أن الآيات القرآنية تذكِّر الأبناء والبنات بما تكبده الأمهات من مشاق الحمل والوضع والرضاع والتربية في جوانب يتفردن بها عن الآباء. يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ لقمان: 14.

فقوله سبحانه: ﴿..حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ.. أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد الذي يشرف بالأم على الموت، ولا يعرف فضاعته إلا من قاساه من الأمهات، ثم (فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، ولا يكاد أن يستغني عنه في سائر أحواله، وهي قد فرغت نفسها ليلها ونهارها من أجله، أفما يحسن بمن تحمَّل على ولده هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟. ومن وصايا الله تعالى بالإحسان للأمهات ما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً الأحقاف: 15 .

هذا من لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف والكلام اللين وبذل المال والنفقة وغير ذلك من وجوه الإحسان، ثم نبّه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحمّلته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة، ثم الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها (ثَلاثُونَ شَهْرًا) للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع هذا هو الغالب.

وأكد المصطفى ﷺ المنزلة العالية للأمهات وفضل بِرهِن في غير مناسبة، ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمُّـك"، قال: ثم من؟ قال: "أمُّك"، قال: ثم من؟ قال "أمُّـك"، قال ثم من؟ قال: "أبوك".

ومقتضى البِرِّ بالأمهات مترتب على المعنى الشامل لكلمة البِرّ، فهي كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وبرُّ الأمهات يعني الإحسان إليهنَّ وتوفية حقوقهن، وطاعتهن في أغراضهن في الأمور المندوبة والمباحة، لا في الواجبات والمعاصي، ويكون البر بحسن المعاملة والمعاشرة، وبالصلة والإنفاق، بغير عوض مطلوب، ويدخل في ذلك مؤانستهن وإدخال السرور على نفوسهن بالأقوال والأفعال، ولأن الأم ضعيفة بضعف الأنوثة ورِقَّة الحنو وتواضع الشفقة فقد يغتر بعض الأبناء والبنات فتحملهم نفوسهم على تقاصر قدر الأم والاندفاع نحو عقوقها، بخلاف ما يجدونه من المنعة عند الآباء.....

-بتصرف-

المصدر: موقع صيد الفوائد

شاركنا بتعليقك