إسهامات

حين يتلو العبد كلام الله تعالى "بقلب مُنيب"، وحين يتفَّكر العابد في آيات الله سبحانه "بعقل سديد"، يرتقي من مقام الغياب إلى مقام الحضور، ثم يرتفع من وحل المقال - مجرَّدا - إلى سماء الحال – مؤيَّدا -، فتتشرب كلُّ نأمة وكلُّ ذرَّة منه حقيقة "وقل اعملوا"، ثم ينال جزاء من الله ومغفرة بركات: "نِعم أجر العاملين".

"بنيَّة العمل" هي آلية منهجية نفسية حركية تركِّز ذهن القارئ على سؤال الأزمة: "حركية الفكر والفعل"، وفحوى هذه الفكرة معبِّر عنه بالأسئلة الجزئية والكلية:

ما موقعي من الآية الكريمة ؟ بماذا أنا مخاطب ؟ وبماذا أكون ممن استجاب لله سبحانه وقد دعاه لما يحييه؟ أي، كيف أكون فعَّالاً ؟ وما هي الخطوات التي أخطوها فعالية وتفعيلا ؟...

لذا، يُطلب من كلِّ مَن يجلس لكلام الله المنَّان، أن يكتب على ورقته أو دفتره أو جهازه المحمول عبارة: "بنيَّة العمل" ثم، يصوغ حيثيات الفعل: ماذا ؟ متى ؟ كيف ؟ من ؟ ولماذا ؟

وبهذا تتكوَّن لديه جملةٌ من الأوامر التكوينية الشرعية الحضارية، التي كان من قبل يمرُّ عليها "سريعا" بلا تروٍّ ولا روية.

وغنيٌّ عن البيان أنَّ إلف الناس يجعلهم يقفون عند "الحكم الفقهيِّ التعبُّديِّ" المباشر، مثل: "وأقم الصلاة"، "وأنفقوا مما رزقناكم"... غير أنَّ الوقوف عند "الأمر التكوينيِّ الحضاريِّ" الخطير والضروريِّ لنجاة المسلم والتمكين لدين الله في أرضه، صار عزيزا في مذهب الناس، وقليلا في مذاهب المفسِّرين والكتَّاب؛ ومثال ذلك آيات "النظر في الكون"، و"العدالة الاجتماعية"، و"إعمال العقل"، "والتوازن الحضاري المنهجي"...

وآية: "ولقد كرَّمنا بني آدم... ". مثلا؛ تستفزنا للسؤال: ما هي "وسائل الآية العملية" وقد استوعبنا ووعينا حقيقة كرامة الإنسان في القرآن الكريم؟

وكيف نتحرر من شراك "الدوران اللفظيِّ القاموسي" من صيغة إلى شرح لها، ومن لفظ إلى مرادفه، ومن معنى إلى معنى مبيِّن...؟

وكيف نتحرَّر وجهة "العروج المعنوي الحضاري" وإلى سماء "الفعل الراشد"؟

هذا هو التحدِّي الحقيق؛ لأجل هذا ولد مشروع "بذور الرشد" في مخاض عسير لا تزال آثاره تحاصرنا، ونحن – مجتمعين – اليومَ حوله ندندن ... مدركين أنَّ المهمَّة غايةٌ في التعقيد والصعوبة، وأنَّ مداركنا غاية في الضعف والهزال؛ ولكن حسبنا أن "نُخلص النية"، و"نُحسن العمل"، متوكِّلين محتسبين، محسنين الظنِّ في الله سبحانه، أن يلهمنا الجواب على السؤال بصدق وصدقية، إن شاء الله تعالى.

والدعوة ملحاحٌ لي ولك، ولنا جميعا؛ أن نخلع عنَّا "ثوب الكسل"، ونتحرَّر واعين من "سجن التقليد والترديد"، وأن لا نتجاوز حدَّنا "فنتجرَّأ" على كلام الله تعالى بغير علمٍ، أو نتقوَّل عنه، أو نوقِّع باسمه بما لم يقُل؛ ثم مع ذلك – وبعد ذلك - أن نردم الهوَّة ونجسِّر المسافة بين "الآية والآن"، وبين "الحقيقة القرآنية وظلال الإرادة الإنسانية على خطِّ الزمن"؛ فنغدو قرآنيين بلا "تكلُّف"، واقعيين بلا "تمحُّل"، ربانيين بموجب ﴿ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ (تعلَمون) الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾

ولأجل سلوك هذا الطريق بإخبات وتواضع وانكسار، لا بدَّ من جلة آداب، وإلاَّ انحرف السير عن المسير؛ ولعلَّ أمثلها طريقة:

1.  ابتغاء وجه الله تعالى وحده، واستحضار رحمته، واستدعاء معيته؛ والاعتقاد أن لا شيء ولا أمر يتمُّ إلاَّ بإذنه، سبحانه.

2. الجلوس بأدب ووقار في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ...﴾، واعتباره عليه السلام بصدقٍ "المعلِّم الأول" عن الله تعالى، واتخاذُ كلامه سلَّما إلى الحقِّ، جسرًا للنجاة والفلاح والاهتداء؛ فهو المبيِّن لما أنزل من الذكر، وهو لسان الزمن فكرا وفعلا بموجب: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ { عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾

3. امتطاء سفينة السؤال أبدا، احتراما للتنزيل واعتبارا لقدر المنزِّل سبحانه؛ ولا حرج من التعامل مع المعنى بالسؤال في كلِّ حين: "فاسألوا..."؛ ومَن يسأل صادقا ينجُ من تبعات التقول بغير علم: "ولو تقوَّل علينا..."

4. حين انقداح معنى، أو تبادره إلى الذهن، لا يُلقى على أنه "حقيقة أو حكمٌ أو تقرير"، وإنما يُطرح على صيغة "الافتراض" الذي يَستدعي الاختبار، ويشحذ الهمم. و "الافتراضُ" بهذا البعد هو نوع من أنواع السؤال، وإنما بصيغة خبرية لا إنشائية.

5. احترام العلم، وتقدير العلماء، والاستماع إليهم، ومزاحمتهم بالركَب، والابتعاد عن تجريحهم بله الوقاحة في حضرتهم أو التسرع في تخطئتهم؛ فهم في المرتبة التابعة بعد الرسول الأكرم ورثةٌ له، ومن أجلِّ العلماء قدرا صحابةُ رسول الله الكرام، ثم من سار على هديهم بعد ذلك، إلى يوم يُبعثون.

6. حملُ النفس على أن تصبر وتصابر حيال الآية، لا لمجرَّد التبرُّك والترديد، ولكن بعرض النفس والحال مفردا وجمعا، وباستحضار الماضي والحاضر والمآل، على سياق تلكم الآية: لتثبيت ما استقام، ومعالجة ما كان من عوج؛ وهذا ما عرف في النموذج بـ"نظرية العرض والتكليف".

7. الخروج من "حلقة الدرس" بأحسنَ مما دخل الطالب فيها، بأن يفارق بعضًا من عاداته، وإلفه، وقناعاته؛ وأن يحيل أمره إلى الله سبحانه مستسلما أوَّاها منيبا؛ وأن يُجري ذلك على جميع مناحي حياته، وعلى كلِّ قطاعات حركته وسكونه.

8. الاعتراف بأنَّ "مساحة المجهول" أوسع من "مساحة المعلوم" بنسبةٍ لا حدَّ لها ولا اعتبار، أي بنسبة القطرة إلى البحر، والواحد إلى ما لا نهاية، والكلمة إلى بحر العلم، والإنسانِ المفرد إلى باقي المخلوقات. وإلا غدا التالي للقرآن فرعونا صغيرا، يردد على إثره: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى... ﴾

9. "التشبيك" بين مدلول الآية ومغزاها، وسائر بحور العلم ومحيطاته: الفكر، الاجتماع، التاريخ، اللغة، الفيزياء، الطب، الجغرافية... الخ؛ والحذر من العضْل والتقطيع، بين حقل وآخر؛ ولا ريب أنَّ العاضل في الفكر كالعاضل في غيره هو ممن:﴿ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾. فهو إذن من "الخاسرين المفسدين".

10. استحضار مسار الانتقال من الفكر إلى الفعل، كما هندسه النموذج، أي "من الكمون إلى الفعل الحضاري"، بجعل "سؤال الأزمة" محورا، و"حالة الكمون" مرحلة ما قبل الإنسان بالفعل، ثم اقتحام "الوعي" خطوة أولى، ثم "التوتر والسؤال"، ثم معالجة "الرؤية الكونية" أي العلاقات الأربع (الله، الكون، الإنسان، مقام الوحي)، ثم صياغة "المفهوم والمصطلح"، ثم "القواعد الكلية"، ثم "الصور الإدراكية"؛ وهنا عتبة انتقال الفكر إلى الفعل، أي هنا تكون بداية "مخطط الفعل"، ثم منه إلى "التشغيل" في السياق المعرفي، و"التفعيل" في خضم الحياة.

وصدق الله العظيم القائل:﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾، وهو القائل جلَّ وعلا:﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾، ومثل ذلك قوله سبحانه:﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾.

فاللهمَّ فقِّهنا في الدين، وعلِّمنا التأويل، وأرشدنا إلى خير القول وخير العمل... آمين... آمين... آمين.

بقلم: د. محمد باباعمي

المصدر: موقع veecos

شاركنا بتعليقك