إسهامات

عندما كان الخلاف بين الأمة تباين الناس في تقدير العقل فكان منهم من غره عقله فظن أن الهداية بحذافيرها جمعت في تضاعيف طاقاته؛ لذلك آثره على الشرع وجعله مصدر الأحكام وموئل الاحتكام، وهو إفراط في تقديره ما كان للبيب أن يرضى به وهو يعلم أنه مخلوق أطرّت جميع ملكاته في إطار محدود، وما أوتي من العلم إلا قليلا.

ومنهم من كان خلاف ذلك فأطفأ هذه الشعلة النورانية بتعطيلها وعدم استخدامها في استلهام الحقائق واستجلاء الدقائق، فوقع في تناقض عجيب واضطراب فاضح في فهمه للخطاب الشرعي، ومنهم من وفقه الله تعالى فجعل شرع الله تعالى نصب عينيه ومصدر هدايته، ولم يكفر نعمة العقل بتعطيله عما خلق من أجله من وسائل فهمه وإدراكه لما ينطوي عله الشرع من حكم وأحكام، وما تضمنه الوحي من حقائق ودقائق، فظفر بمجامع الخير ومعاقد التوفيق.

هذا وقد كان من نتائج إهمال العقل وتعطيل ملكاته في تشخيص المراد من نصوص الوحي الوقوع في تناقضات غريبة أدت بأصحابها إلى تجاهل محكمات الآيات وراء المتشابهات والانسياق، فوصفوا الله سبحانه بصفات خلقه، متجاهلين. نصوص تنزيهه سبحانه عما لا يليق بكماله، كما أدّى بهم الشطط إلى ركوب الصعب، والهيام في التناقض التي تبرأ ساحة الشرع عنه، ولا أريد أن أطيل في ضرب الأمثلة بها وقعوا فيه من شقاق بعيد، فقد بسطت ذلك في محله مما كتبته أو ألقيته.

وفي مقابل هؤلاء نجد الذين أفرطوا في تقدير العقل غاصوا في أعماق ما كانت لهم دراية ولا طاقة بالعوم فيها؛ فوقعوا في ضروب من الحيرة أدت بهم إلى اضطراب عجيب في الفهم، ناهيك أن اللجاجة وصلت بهم إلى التعويل المطلق على العقل في مجال التشريع، وما كان للشرع عندهم من وظيفة إلا بيان مضامين العقل أو تأكيدها، وقد كان على رأس هؤلاء أصحاب واصل بن عطاء.

أما الذين وفّقوا للأخذ بحجزة الشرع مع الاستبصار ببصيرة العقل في استلهام الحقائق فقد استمسكوا بالعروة الوثقى؛ التي لا انفصام لها فعادوا بكلتا الحسنيين عندما أخذوا بكلتا الهدايتين، فلم يحملوا العقل فوق طوقه ولم يقصروه دون طوره، كما أنهم لم يختلقوا صداما بينه وبين الشرع، إذ عرفوا إن سبيلهما واحد، وأن هدایتیهما تخرجان من مشكاة واحدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

المصدر: كتاب العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع لسماحة الشيخ أحمد حمد الخليلي ص16-19.

شاركنا بتعليقك