إسهامات

إن الاختلاف الفكري والاجتماعي بين البشر من المسلمات، التي لا تحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح .. وذلك لأن مساحة الاختلاف بين البشر، هي جزء من قانون الوجود الإنساني .. قال تعالى ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ... ﴾ [الروم الآية: 22].

من هنا فإن مفهوم الوحدة، لا يمكن اكتشافه إلا من خلال منظور الاختلاف.. وذلك لأن الاختلاف جزء أصيل من منظومة الوعي الذاتي، كما أنه (الاختلاف) هو الذي يثري مضمون الوحدة، ويمده بأسباب الحيوية والفعالية. وبين الاختلاف والوحدة مسافات، لا يمكن اجتيازها إلا بالتسامح والحرية والاعتراف بقانون التعدد ومبدأ التنوع.

ولعل من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها العرب والمسلمون في العصر الحديث، رؤيتهم المنمطة لمفهوم الوحدة .فالرؤية السائدة عن هذا المفهوم، أنه يعني إلغاء حالات الاختلاف والتعدد الطبيعية والتاريخية والثقافية. وبفعل هذا المنظور النمطي لمفهوم الوحدة، مارست السلطات التي رفعت شعار الوحدة كل ألوان القمع والتنكيل بحق كل التعبيرات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تختلف رؤيتها عن هذه الرؤية أو تتباين في أصولها العرقية أو الأثنية.

  • مفهوم الوحدة قراءة جديدة:

 إن الاختلاف الفكري والثقافي، لا يدار بعقلية الإقصاء والنفي، لأنه لا ينهي الاختلافات، وإنما يشحنها بدلالات ورموز خطيرة على مستوى العلاقات والوجود الاجتماعي والسياسي. وحالات الوحدة في المجتمعات الإنسانية لا تنجز إلا على قاعدة تنمية قيم التسامح والتعاون والتعدد والإدارة الواعية والحضارية للاختلافات العقدية والفكرية والسياسية على مستوى الواقع والتاريخ وليس فقط على مستوى النظر والنص.

إن أخطر الهويات هي تلك التي لا تتحقق إلا على أنقاض هويات الآخرين .. ينبغي أن تكون هويتنا متصالحة، متوافقة مع هويات الآخرين لا أن ترفضها وتهددها بالإلغاء. فالممارسات العدوانية والانفعالية، لا تلغي الاختلافات والتمايزات، وإنما تدخلها في علاقة صراعية، عنفية، بدل أن تكون العلاقة تواصلية وتفاعلية. ولا يمكن فهم الآخر، إلا بتقدير وتحديد مساحة الاختلاف معه. الأمر السيئ والخطير في هذه المسألة هو عدم الاعتراف بشرعية الاختلاف وحق صاحبه في أن يكون مختلفا. فالتوحيد القسري للناس، يزيدهم اختلافا وتشتتا وضياعا. وذلك لأن محاولة إنهاء الاختلاف بالقمع والقهر يزيدها اشتعالا. كما أن هذا المنطق والخيار يخالف مخالفة صريحة ناموس الوجود الإنساني، القائم على التنوع والاختلاف والتعدد.فالاختلاف ليس انقطاعا عن الوحدة، كما أن الوحدة ليست توقفا عن الاختلاف والتمايز والتنوع.

من هنا ندرك أهمية حضور قيمة العدل في الاختلافات الإنسانية، حيث أن مجرد الاختلاف، ينبغي أن لا يفضي إلى الظلم والخروج عن مبادئ وقواعد العدالة. يقول تبارك وتعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة الآية: 8].

  •  من أين تبدأ الوحدة ؟ 

الوحدة السليمة هي التي تبدأ من الاعتراف بالآخر وجودا وفكرا، لا للانحباس المتبادل، وإنما لانطلاق فعل تواصلي – حواري، ينمي المشتركات، ويحدد نقاط المغايرة، ويسعى نحو مراكمة مستوى الفهم والاعتراف.

ومن هنا ندرك أن من الأخطاء الفادحة، والتي دفع الجميع ثمن باهضا بسببها .. هو النظر إلى مفهوم الوحدة، على أساس أنه يعني غياب أو تغييب التنوعات والتعددية والآخر .. إذ عملت قوى الوحدة وسلطاتها على إفناء كل التنوعات وممارسة القهر والاستبداد تجاه كل مستويات التعدد.

  • الاختلاف والتواصل:

إن القهر لا ينتج وحدة، وإنما تشتتا واحتقانا وتوترا، كما أن التعدد والتنوع المعرفي والسياسي المنضبط بضوابط القيم الإسلامية العليا، هو الذي يؤسس لحالة وحدوية فعالة ومستديمة، وذلك لأنها مفتوحة ومتواصلة مع جميع القوى والتعبيرات السياسية والمجتمعية.

  • خطوات في طريق الوحدة:

وإن الخطوة الأولى الضرورية في مشروع الوحدة طويل الأمد، هو أن نتخلى عن لغة الشعارات الفضفاضة التي لا مضمون لها، التي ترى الوحدة بمنظور يلغي التنوعات ويقصي كل حالات التعدد والاختلاف، ويعتبرهما جميعا من عوائق الوحدة ومضادات التوافق الداخلي للعالمين العربي والإسلامي، فالوحدة كمشروع مجتمعي لا يتحقق صدفة أو دفعة واحدة، وإنما هو عمل تراكمي يتكامل من خلال كل الأعمال والمفردات المتجهة صوب البناء والعمران، فالسؤال المطروح فعلا هو: لماذا كلما حاول العرب ممارسة الوحدة، حصدوا مزيدا من الفرقة؟ هذا السؤال يحمل على وضع مقولة الوحدة موضع المساءلة والفحص.

طبعا إن الغارقين في سباتهم، يرون أن الفشل يعود إلى سوء التطبيق. وأما الذين تثيرهم أسئلة الحقيقة والواقع، فإنهم يخضعون المقولة إلى النقد والتفكيك لفضح عجزها وقصورها. والنقد يبين أن الذين فكروا في مسألة الوحدة انطلقوا من نظرة أحادية ضيقة أو من تصور تبسيطي ساذج، فكانت المحصلة أن شعار الوحدة، عندما جرى وضعه موضع التطبيق على الأرض ارتد على أصحابه صراعات وحروبا، تماما كما ترتد الرصاصة على مطلقها عندما تصطدم بأرض صلبة ملساء، والأرض هنا هي أرض الاختلافات القائمة بين عناصر العالم العربي ومجموعاته.

فالمطلوب أن ننفتح على مساحات الاختلاف ونتواصل مع المختلفين، من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة، تزيد من فرص تقدمنا، وتحررنا من آليات العجز، وتجعلنا نقتحم آفاق جديدة، تحملنا على نسج علاقة جديدة مع مفهوم الوحدة والتوافق الداخلي. ولا مناص لنا من تجديد فهمنا ومنظورنا إلى الوحدة، وتغيير طرائق تفكيرنا في إرساء دعائم الوحدة، وامتلاك القدرة النفسية والعملية على تجاوز كل الموروثات السياسية والفكرية التي تتعاطى مع شأن الوحدة، باعتباره معطى ناجز ولا يحتاج إلى إبداعات الإنسان المعاصر، واستيعاب متطلبات اللحظة الراهنة.

-بتصرف-

المصدر: مركز آفاق للدراسات والبحوث

شاركنا بتعليقك