تؤدي البيئة العائلية دورا هامّا في توجيه سلوك الطفل ومساعدته على أن ينظم دوافعه الوجدانية وعلى أن يكتسب العادات الحميدة التي تقوى الخلق، ومن أهم هذه العادات ضبط النفس وحب النظام، وغنى عن القول أن النظام الذي ينشئ الوالدان الطفل عليه لابد وأن يكون مشبعا بروح الإنصاف والعطف والتعاون، أما التنشئة التي تسودها روح التعسف والزجر والاستبداد فإنها تؤدّي حتما إلى ظهور الاتجاهات الشاذة المعوجة من الممكن تجنبها أو إصلاحها بشيء من حسن التدبير والفهم والعناية.
فالطفل الذي ينحرف سلوكه عن الطريق الذي يتلاءم مع مقتضيات الوضع السوي هو في معظم الأحيان ضحية بيئته العائلية، وإذا استثنينا حالات العته والبلاهة التي ترجع عواملها إلى الوراثة المرضية، ويمكن القطع بان جميع الانحرافات النفسية تقع تبعتها على البيئة العائلية أو الاجتماعية ومن اليسير التأكد من صحة هذا الرأي، فإن آلاف الحالات التي تتردد على العيادات النفسية تبين لنا بوضوح التأثير السيء الذي تتركه في نفسية الطفل البيئة العائلية التي يشيع فيها الفساد والشقاق وسوء التدبير..
أثر الأسرة المفككة
يؤثر سلوك كل من الأبوين تجاه الآخر على صحة الطفل النفسية، وقد أثبتت البحوث أن معظم الأطفال المشكلين يأتون من منازل تكثر فيها الاحتكاكات الزوجية أكثر ممن يأتون من منازل فيها علاقات سليمة، ومن دواعي تفكك الروابط الأسرية مشاجرات الوالدين، واختلافهما، وربما كان هذا راجعا إلى سوء الحالة الاقتصادية، أو إلى الاختلاف على طرق تربية الأبناء أو إلى اضطراب أحد الوالدين أو كليهما نفسيا على نحو لا يجعلهما قادرين على مقابلة تبعات علاقة وثيقة كالزواج ومسؤولية كبيرة.. وهذا كله يجعل جو المنزل أحيانا جوا ثقيلا لا يطاق، فيهرب منه الطفل إلى الشارع حيث يحتمل أن يبدأ سلسة من سلوك غير مرغوب فيه، وإن لم يتمكن من الهرب إلى الشارع ففي أحلام اليقظة متسع لفراره من الواقع، وأحيانا يصب أحد الوالدين جام غضبه على الطفل نفسه، وكل هذا يقلل من ثقة الطفل في قوة الكيان العائلي، ويحتمل بالتالي أن يقلل ثقته في نفسه، وأن يجعل ثقته معدومة فيمن يتصل بهم في الحياة بعد. وأمثلة أخرى عديدة عن أسباب تفكك الأسرة (وفاة الأب أو وفاة الأم، الفقر والحرمان، المسكن الضيق والمزدحم.. إلخ مما يؤثر في نفسية الطفل بشكل سلبي..
القسوة والعقاب في معاملة الطفل
لا شك أن القسوة والتربية الصارمة والتخويف والتهديد أو الإسراف في التدليل.. إلخ تؤدي إلى خلق ضمير أرعن وشعور بالنقص مما يؤدي إلى تولد الكراهية للسلطة كل من يمثلها وتجعل الطفل يقف من المجتمع عامة موقفا عدائيا أو يستسلم أو يرى الخلاص في تملق الكبار أو الخضوع لهم، وتميت في نفسه الثقة بالنفس وتقتل روح المبادأة وتجعله يتحاشى القيام بأي عمل يدافع به عن نفسه.
ومما سبق، نرى أن الأسرة هي البيئة الأولى للإنسان، البيئة التي تمده بالمحفزات في كفاحه الدؤوب نحو التكيف أو تقويم المعوقات دون ذلك الكفاح، لذلك فإنه من البديهي أن تحقيق النضج الانفعالي، إي الوصول إلى صحة النفس، لا يمكن أن يتم إلا من خلال طفولة منحت الحب والحنان والقدوة الطيبة والطمأنينة، فإنه لن يستطيع أحد غير الوالدين تزويد الطفل بالغذاء الوجداني الذي لا غنى عنه لصحة النفس، وما انتشار الأمراض النفسية من مظاهرها المتعددة إلا دليل على أن بيوتا كثيرة لم تستطع أن تحيط صغارها بالحب والطمأنينة اللذين بدونهما سينشؤون على سقم واعتلال، فإن الذي لم يحصل إلا على القليل من الحب في سنيه الأولى سيظل متعطشا إلى المزيد من هذا الغذاء الوجداني، شاعرا بالحرمان من حقه من أن يحب، عاجزا بدوره عن أن يحب.
-بتصرف-
المصدر:
- كتاب الحب والصحة النفسية لأبنائنا، كلير فهيم، ط2، دار المعارف، القاهرة، ص 107-113.
شاركنا بتعليقك