لعظم حق الأم على الأبناء خصها الله سبحانه بالوصية، والله تبارك وتعالى ينسب الأمور إلى نفسه في الأمور المهمة وأمور الخير، فقال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ سورة لقمان : 14، ولم يقل بأبويه، ولم يذكر الأب في الآية وإنما ذكر الأم فقال بعدها: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ، فذكر الحمل والفصال وهو الفطام من الرضاع وهذا يتعلق بالأم وليس بالأب، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي الإحسان إلى الأم أكثر من الأب، ومصاحبة الأم أكثر من الأب، لأن الولادة من شأن الأم وليست من شأن الأب، وعندما قال في الآية: ﴿بوَالِدَيْهِ﴾ ذكر سبحانه ما يتعلق بالأم، قال الحافظ ابن كثير رحِمَهُ اللَّهُ فِي قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ "قَالَ مجاهد: مشقة وهن الولد، وقال قتادة : جهدًا على جهد، وقال عطاء الخراساني: ضعفاً على ضعف. وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ سورة البقرة: 233.
ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ سورة الأحقاف: 15.
وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارًا، ليُذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ سورة الإسراء: 24؛ ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء.
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: "وقوله: أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ يقول: وعهدنا إليه أن اشكر لي على نعمي عليك ولوالديك تربيتهما إياك، وعلاجهما فيك ما عالجا من المشقة حتى استحكم قواك، وقوله: ﴿إلى المَصِيرُ﴾ يقول: إلى الله مصيرك أيها الإنسان، وهو سائلك عما كان من شكرك له على نعمه عليك، وعما كان من شكرك لوالديك، وبرّك بهما على ما لقيا منك من العناء والمشقة في حال طفوليتك وصباك، وما اصطنعا إليك في برهما بك، وتحننهما عليك "(٤٢). وقال العلامة ابن سعدي رحمه الله: "ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ﴾ أَي: عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه بِوَالِدَيْهِ وقلنا له: «اشْكُرْ لي بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وألا تستعين بنعمي على معصيتي وَلِوَالِدَيْكَ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما وإجلالها، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه بالقول والفعل.
فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن الي المصير أي: سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل؟ أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل؟.
ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد.
ثم فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن يمن تحمل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟
وأوصى الله عزوجل بالإحسان للوالدين ثم خص الأم لما تقاسيه من مشاق الحمل والرضاعة، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ سورة الأحقاف: 15، ففي الوضع كأنها ترى الموت رأي العين ثم تقاسي في الوضع آلاماً شديدة، ثم الرضاعة حولين كاملين، تتكبد المشاق في رعاية الولد، وتتحمل الأم الضعيفة من أجل ولدها التعب الكثير في تمريض ولدها والاهتمام به وكثرة الخدمة والحنان والإشفاق على الولد، تسهر الليالي الطوال من أجل راحة الولد، تقوم من مضجعها وقت صراخ الولد، تحتضه عند خوفه وقلقه، تفديه بنفسها من كل شر ومكروه، تجوع ليشبع وتعطش ليروى تسهر لينام، تلقمه ثديها وتحتضنه في حضنها تكاد أن تلقمه قلبها حناناً وشفقة.
-بتصرف-
المصدر: مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم. المؤلف: محمد بن عبد الله العبدل. ص 22-25.
شاركنا بتعليقك