تشكل نظام الأوقاف في قرى بني مزاب تدريجيا، فبدأت معالمه تظهر نتيجة لتزايد الأصول الموقوفة من جهة، وهذا بسبب انتشار الوعي في المجتمع بأهمية الأوقاف، وتأثيرها الفعال في المجال الاجتماعي الخيري من عدة نواحي "تعليم، مرافق عامة، غذاء،…" وقد ساهم في انتشار هذا الوعي التعبئة التي قام بها العلماء والمشائخ في المنطقة، والتي دفعت المجتمع للاستجابة والتسابق في هذا الميدان ابتغاء الأجر وخدمة بعضهم بعضا، فتبنى المجتمع المزابي بقوة فكرة الأوقاف، وحرص أفراده على تفعيلها.
ومن بين هؤلاء المشايخ، الشيخ بلحاج، القطب، وغيرهم. هذا من جهة ومن جهة أخرى تعددت الأصول الموقوفة لتلبية مختلف حاجات المجتمع، ومتطلباته الضرورية الخاصة بتلك المنطقة فكانت الأوقاف على التمور باعتبارها غذاء رئيسا لبني الصحراء، وعلى الماء لندرته في المنطقة، وعلى بناء المساجد لضمان إقامة شعائر الله، ثم على المدارس لنشر العلم، ومحاربة الجهل. لتتوسع إلى مختلف المرافق والمنقولات التي يحتاجها المجتمع في أدق التفاصيل.
عموما هذه بعض من الأصول التي شملها الوقف في مزاب: المساجد، الآبار، المياه (مقدار معين من الماء)، المراحيض، الزيت (لإنارة المسجد)، الكتب، القدور، المكاييل، أدوات الطبخ، الكسكسي، الخبز، النخيل والتمور،...
وربما كان لحلقة العزابة الدور البارز والهام، في تشكل معالم هذا النظام، باعتبارها الهيئة المخوَّل لها مهمة السهر على حفظ وتنفيذ الأوقاف. فجُلُّ أوقاف البلدة مرتبطة بالمسجد، والقائم على شؤون المسجد حلقة العزابة الموقرة، وبالتالي فهي الساهرة على تنفيذ الأوقاف وتسييرها، ولها الفضل في تشكل معالم نظام الأوقاف، الذي يعتبر أصلا جزءا من نظام حلقة العزابة.
ويكفي لتبيان الأهمية الكبيرة التي خصصتها الحلقة لموضوع الوقف بوجه عام، أن يعين عضوان من الحلقة، (الوكيلان) للقيام والسهر على شؤون الأوقاف. ووكيلا المسجد ينفذان الأوقاف عن طريق وظائف قارة، ومهام لحلقة العزابة تقوم بها سنويا، في أماكن وأوقات معينة.
إن عدد وظائف مسجد بني يزقن خمس وأربعون وظيفة، منها أربع عشرة وظيفة تحوي أوقافا للتمور. أما القسم الثاني من الأوقاف، فهي التي تنفذ عن طريق العامة مباشرة، وبالتالي فالوكيل عليها صاحب الوقف نفسه، أو ذريته من بعده، وللإشارة يوجد تقسيم آخر للأوقاف في مزاب من حيث حقيقتها، حيث يقسمها الأستاذ يوسف بن بكير الحاج سعيد في كتابه "تاريخ بني مزاب": "الأوقاف في مزاب نوعان من حيث حقيقتها، النوع الأول وقف مؤبد لوجه الله تعالی، لأصل من الأصول، مثل أرض أو منزل، أو بستان. أو نخلة أو مرحاض، أو جابية، أو بئر، بحيث لا يجوز بيعه أو هبته أو إرثه أو منتقل من المنقولات مثل القدور والمكاييل والكتب. النوع الثاني يسمى تنوبا (جمعها تنوباوين) لا يمنع التصرف في الأصل، بيع أو هبة أو ارث، ولكنه يشترط على المالك أن يدفع إلى جهة معينة، بصفة مؤبدة، كمية من المواد الغذائية. أو مواد الإنارة أو يقوم بخدمات معينة للصالح العام".
وكما أن للحلقة الدور الهام في تنفيذ الأوقاف، وتسييرها، باعتبارها الهيئة الموكلة إليها هذه المهمة، وبما لها من دور فعال في المجال الاجتماعي عموما، أكسبها سلطة روحية متعارف عليها في المجتمع المزابي، ومكانة هيئة عليا في السلم التنظيمي لقرى الوادي. فإنه للعرف كذلك دور بارز في المجال الاجتماعي بالبلدة، وببقية قرى الوادي، باعتباره الإطار القانوني الذي تتهيكل فيه مجموع إرادات الأفراد، (إرادة المجتمع) في شكل قواعد قانونية، غير مكتوبة تنظم المجتمع في جميع المجالات وفي أدق التفاصيل.
-بتصرف-
المصدر: كتاب أوقاف التمور في قرى واد مزاب، زرﭬون محمد بن صالح، ص 62-65.
شاركنا بتعليقك