العنزة المزابية هي سلالة ماعز قديمة بقدم الإنسان المزابي في منطقة الشبكة أو بلاد الشبكة كما يسمّيها المؤرخون أمثال العلامة ابن خلدون. ومن ضمن ثرواتهم المادية لهذه المنطقة الصحراوية تلك العنزة الغنية بمنتوجها اللبني، والذي يصنعون منه العديد من مشتقاته والمنتوجات اللبنية الرائعة التي تعرف وتتميز بها المنطقة. ونظرا لقساوة الطبيعة الصحراوية ببلاد الشبكة ومزاب وصحراء واد وريغ وانعدام المواصلات لجلب لقمة العيش فقد حافظ المزابيون على إنتاج نوعين أساسيين من الغذاء، هما: إنتاج التمور بمئات الأنواع وتربية العنزة المزابية التي نسب الباحثون تسميتها إليهم (مزابM'zab ) من شدة اهتمامهم بها. وتخصيصهم لها وقتا وبرنامجا كاملا في حياتهم اليومية كما طوروا سلالتها آنذاك حتى أصبحت أفضل سلالة ماعز جزائرية خاصة من حيث الإنتاج اللبني، كما اندهش الفرنسيون بهذا الاهتمام المفرط لها ونظام رعيها واعتبارهم لها فرد من أفراد العائلة، فكانوا يهيئون لها مكانا داخل ساحة المنزل! وبالضبط تحت الأدراج المؤدية إلى الطابق الأول.
وكان المسجد يعتبر بمثابة السلطة الحاكمة والهيئة التي تسند لها مهمات استصدار القرارات والتنظيم الاجتماعي في كل أمور المدينة ومنها الإشراف على نظام رعي الماعز نظرا لأهميتها عندهم وهو ما يعرف عند المزابيين بـ: "أحرّاكَـ" aḥerrag.
ويتمثل نظام الرعي هذا الفريد من نوعه في أن يأتي الراعي صباح كل يوم وينادي في أزقة القصر قائلا: "معيز..معيز" فيطلق أهل البيت معزتهم أو معزاتهم (بحسب العائلة) لتلتحق بجموع العنز في ساحة القصر ريثما يقودها الراعي إلى مرعاها في الواحات لتأكل العشب. كما نظّموا طريقة تربية الفحول (التيوس) بتخصيص مكان معين لها خارج القصر (خارج مكان العمران والسكنات).
أضف إلى هذا أنه يمنع لأي شخص مهما كان بتربية الفحل (التيس)، بل تكون تربيتها حكرا على المسجد العتيق فقط.. وهذا لسببين: الأول من أجل الحفاظ على سلالة الماعز الحلوب للمنطقة لحماية إنتاج الحليب كمّا ونوعا، لأنه المادة الأساسية للغذاء والثاني من أجل احترام الحرم السكني للقصر وعدم الإضرار بالجيران. ومن خلال ظهر ما يسمى بـ: "أعتروس ن تمجّيدا" أو "أعتروس ن لعرش" (تيس العرش)، فعندما يعلن المسجد عن انطلاق موسم التزاوج واحتياج العنز للتلقيح، فيرسل الناس عنزاتهم إلى ذلك المكان الذي خصصه المسجد لمدة معينة ليتم التلقيح، ومن ثمة يتم إعادتها لأصحابها بطريقة منظمة بديعة تضمن الإنتاج والربح لصاحب العنزة وتضمن حفظ السلالة المحلية من التهجينات العشوائية وتدهور السلالة.
إحصائيات ومعلومات مهمة:
لكن رغم هذا وما ذكرناه من مزايا لهذه العنزة الصحراوية الأصيلة للأسف الشديد فيبقى مشكل عدم الاهتمام بها والمحافظة عليها هو العائق رغم ما قدمته الدولة الجزائرية في سنوات مضت من بعض المساعدات والتشجيعات للفلاحين المربين للماعز الصحراوي من أجل ترقيته وتكاثره وحمايته من الانقراض، إلا أن بعض الانتهازيين الأجانب عن المنطقة والذين لا يهمهم سوى الربح المادي والتطفل على مهنة مربي الماعز استفادوا من المساعدة بقطعان العنز الذي قدم لهم مجانا لكن تم إهماله وبيعه ولم يكن هناك إنتاج حقيقي وتكاثر يحمي هذه السلالة من الضياع. لذا فلم يبق من هذا النوع (من سلالتها الأصلية) سوى عدد محدود جدا، بعضها تحت التجارب المخبرية والبعض الآخر لدى بعض المربين الأجانب عنها في أمتليلي وواد ريغ وتوقرت..
ويجدر بنا في مقام الحديث عن العنزة المحلية ومزاياها وخصوصا المهتمين بالعنزة المزابية وتطويرها وإعادة إحيائها أن نذكر الأستاذ الفاضل والباحث في جودة الحليب للعنزة المحلية السيد: "بازين عمر" ضمن جمعيته الفلاحية المهتمة بهذا النوع من الماعز، حيث أن هذا الباحث أوصل قضية العنزة المزابية وسجلها بمعهد باستور بالجزائر لإجراء تجارب مخبرية جينية وبيولوجية كان هدفه تطوير هذه السلالة والزيادة من إنتاجها. وقد قام ببحوث في مجال جودة الغداء المحلي للعنزة المزابية، وهو من توصل مع باحثين فرنسيين إلى أن العشب المسمى باللغة المزابية "أزجميرazejmir " هو أجود وأحسن عشب يمكن أن تتناوله العنزة (المحلية أو الأجنبية) عموما لتدرّ الحليب بكميات معتبرة.
كما أنه وللعلم أن اليهود الذين سكنوا مزاب قديما قبل أن يرحلوا فقد أخذوا معهم هذا النوع من الماعز لاهتمامهم بها ولما رأوه فيها من مزايا وفوائد إنتاجية قوية. والآن في إسرائيل لديهم ما يسمى بالعنزة اليهودية La Chèvre juive ونجدها تحمل تقريبا نفس خصائص العنزة المزابية مع اختلافات طفيفة فقط.
-بتصرف-
المصدر: صفحة الفايسبوك: الماعز الجزائري / La Chèvre Mzab / العنزة المزابية
شاركنا بتعليقك