المؤلف في هذا الكتاب ينبه إلى أن الموت الذي يلوح في أفق الغرب هو في الواقع موتان:
موت أخلاقي: بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى كل القيم التربوية الأسرية والأخلاقية التقليدية.
موت ديموغرافي وبيولوجي (النقص السكاني بالموت الطبيعي).
ويستدل على ذلك بمؤشرات بدأت بالظهور بوضوح في العائلة وفي السجلات الحكومية التي تشير إلى اضمحلال القوى البشرية في الغرب، وإصابة ما تبقى منها بشيخوخة لا شفاء منها إلا باستقدام المزيد من المهاجرين الشبان أو بالقيام بثورة حضارية مضادة تعيد القيم الدينية والأخلاقية إلى مكانتها التي كانت من قبل. ويقول الكاتب أن الموت المقبل مريع ومخيف لأنه وباء ومرض من صنع أيدينا، ومن صناعة أفكارنا وليس بسبب خارجي مما يجعل هذا الموت أسوأ بكثير من الوباء الأسود الذي قتل ثلث سكان أوروبا في القرن الرابع عشر، فالوباء الجديد لا يقتل إلا الشباب، مما يحول الغرب عموما، وأوروبا بشكل خاص إلى (قارة للعجائز).
ويوضح أن هذه التنبؤات ليست مجرد تخمينات أو توقعات أو احتمالات، إنما هي حقيقة واقعة صادمة لشدة وضوحها. خاصة عندما تبدأ الأرقام بالحديث: فوفقا للإحصاءات الحديثة هبط معدل الخصوبة عند المرأة الأوروبية إلى (1 طفل) لكل امرأة، علما أن الحاجة تدعو إلى معدل (2 طفل) كحد أدنى (فقط لتعويض وفيات السكان الموجودين الآن..) دون الحديث عن زيادة عددهم.
وإذا بقيت معدلات الخصوبة الحالية على ما هي عليه فإن سكان أوروبا الباغ عددهم (728) مليون نسمة بحسب إحصاء عام 2000، سيتقلصون إلى (207) ملايين نسمة في نهاية هذا القرن. أي أقل من الثلث، وفي المقابل ففي الوقت الذي تموت فيه أوروبا لنقص المواليد، يشهد العالم الثالث كالهند والصين ودول أمريكا اللاتينية. (وخاصة البلدان التي يقطنها المسلمين) انفجارا سكانيا لم يسبق له مثيل بمعدل (80) مليون نسمة كل عام، ومع حلول عام 2050 سيبلغ مجمل نموهم السكاني (4) مليارات إضافية من البشر، وهكذا يصبح كابوس الغرب حقيقة وتصبح أوروبا بكل بساطة ملكا لهؤلاء بعد وقت ليس بالبعيد. ويضيف المؤلف "إن الأرقام تصبح مخيفة أكثر عند تناولها لتشخيص مرض النقص السكاني على مستوى الدول والأمم بعد (50) عاما من الآن، ففي ألمانيا سيهبط التعداد السكاني من (82) مليونا إلى (59) مليون نسمة (وسيشكل عدد المسنين ممن تجاوزوا ال (65) عاما أكثر من ثلث السكان)، أما إيطاليا فستشهد تقلص عدد سكانها البالغ (57) مليونا إلى (41) مليون ( وستصبح نسبة المسنين 40% من التعداد العام للسكان)، وفي إسبانيا ستكون نسبة الهبوط 25%، وحتى روسيا ستشهد تناقص قواها البشرية من (147) مليونا إلى (114) مليون نسمة، ولا تختلف اليابان كثيرا في اللحاق بمسيرة الموت السكاني، فقد هبط معدل المواليد في اليابان إلى النصف مقارنة بعام 1950." هذه الارقام المخيفة توصلنا لسؤال محير هو "لماذا توقفت أوروبا وشعوبها عن إنجاب الأطفال، وبدأت تتقبل فكرة اختفائها عن هذه الأرض بمثل هذه اللامبالاة؟ "
يجيب الكتاب، بأن الجواب يكمن في النتائج المميتة لهذه الثقافة الجديدة في الغرب، والموت الأخلاقي الذي جرته هذه الثقافة على الغربيين، هذا هو الذي صنع موتهم البيولوجي فانهيار (القيمة) الأساسية الأولى في المجتمع وهي الأسرة وانحسار الأعراف الأخلاقية الدينية التي كانت فيما مضى تشكل سدا في وجه منع الحمل والإجهاض والعلاقات الجنسية خارج ِإطار المؤسسة الزوجية إضافة إلى تبرير لا بل أحياناً تشجيع العلاقات الشاذة المنحرفة بين أبناء الجنس الواحد، كل هذا دمر بشكل تدريجي الخلية المركزية للمجتمع وأساس استمراره وهي الأسرة.
وتبدو لغة الأرقام هنا أكثر هولا، فقد ارتفع الرقم السنوي لعمليات الإجهاض في الولايات المتحدة من (6000) حالة سنويا عام 1966 إلى (600) ألف حالة عام 1976 بعد أن سُمِح بالإجهاض، واعتبرت عملية قتل الأجنة حقا للمرأة يحميه الدستور وبعد عشر سنوات وصل الرقم إلى (مليون ونصف المليون حالة إجهاض) في العام الواحد، أما نسبة الأطفال غير الشرعيين فهي تبلغ اليوم 25% من العدد الإجمالي للأطفال الأمريكيين. ويعيش ثلث أطفال أمريكا في منازل دون أحد الأبوين إما بدون الأب وهو الغالب وإما بدون الأم، وهناك مؤشر آخر خطير فقد بلغ عدد حالات الانتحار بين المراهقين الأمريكيين ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في عام 1960، أما عدد مدمني المخدرات (المدمنين وليس المتعاطين) فقد بلغ أكثر من ستة ملايين شخص في الولايات المتحدة وحدها، وقد تناقصت كثيرا أعداد الشبان والشابات الراغبين في الزواج طبعا في مجتمع يسمح (بالحرية الجنسية الكاملة) ويتيح المساكنة بين الرجل والمرأة دون أي رابط شرعي أو قانوني في بيت واحد، وخوف الرجل من قانون الأحوال الشخصية الظالم إذ تأخذ الزوجة نصف ثروته في حالة الطلاق، واضطرار المرأة للقبول بالمساكنة بدون زواج بسبب حاجتها إلى رجل يقف معها ويحميها ناهيك عن الحاجة البيولوجية.
أما قضية الشذوذ الجنسي وقانون الزواج بين أبناء الجنس الواحد المثلية، فقد بلغت حدا لم يكن ممكنا مجرد تخيله في السابق. ويدل على ذلك حادثة انفصال الممثلة آن هيش عن صديقتها إلن دى جنرس وزيارة الرئيس الأمريكي لها بنفسه ليقدم تعاطفه وحزنه. وكانت هيلاري كلينتون أول سيدة أولى في البيت الأبيض تسير في تظاهرة للمثليين لإبداء تعاطفها مع قضيتهم ومطالبهم المشروعة.
وأخيرا يخلص المؤلف للقول:
"أن هذه هي إحصائيات مجتمع منحط وحضارة تحتضر وتموت وأن بلدا مثل هذا لا يمكن أن يكون حرا فلا وجود للحرية دون فضيلة ولا وجود للفضيلة بغياب الإيمان".
-بتصرف-
المصدر: موقع معرفة.
شاركنا بتعليقك