إسهامات

الدور الإنتاجي للمرأة المزابية:

ساهمت المرأة المزابية بشكل كبير في ترشيد النفقة والتسيير العقلاني لمصاريف الحياة الصعبة بمزاب، وهو ما عبرت عنه بـ "أَجَا نْ زْمَانْ". فكان لها دورا مهما في الاقتصاد والادخار، أمّا فيما يتعلّق بدورها الإنتاجي، ولأنّ المزابيين يرتكزون في نظامهم الاقتصادي على الفلاحة البدائيّة التي لا تكاد تتجاوز في كثير من الأحيان الحاجة الضروريّة والحياتيّة. فإنّ مشاركة المرأة ومساندتها الاقتصاديّة كانت جدّ ضروريّة، يقول يوسف الحاج سعيد: "لقد كان اقتصاد المنطقة يتعاون على حمله كلا الجنسين، فبينما يظل الرجل في بستانه مكابدا لقساوة الطبيعة وصادّا لغارات البدو، كانت المرأة في منزلها تغزل وتنسج، علاوة على قيامها بشؤون البيت المعروفة".

أول ما يمكننا ملاحظته أن صناعة النسيج في مزاب، تمثل موردا رئيسا (غير معلن) في توفير حاجة المزابيين من الملبوسات الصوفية، فالرجل كان يمتلك أكثر من قطعتين، يرتدي واحدة بشكل دائم (البرنوس أو القشّابيّة) حتى أنه من العيب أن يرى من غيره، والقطعة الثانية وتكون عبارة عن (أحولي أبيض) ويستعمله الرجل عند خروجه إلى سوق المدينة أو في المناسبات الاجتماعية، وبالنسبة للنسوة فيعتبر اللحاف (أحولي) ضروري عند الخروج من بيتها، كما أنّ الأقمشة التي يخاط منها الملابس يتمّ نسجها كذلك، إضافة إلى تجهيزات وملابس العروس (الزرابي، الملاحف، الخمري، ..)

صناعة الصوف تجارة رائجة..

يشير الشيخ بيوض إلى الدور الحيوي الهام الذي قامت به أسواق غرداية في تزويد جيش التحرير بآلاف القشاشيب والأكسية الصّوفيّة والمؤن، إما تبرعا وإما بيعا لمختلف الولايات، وكان لها أثر فعال في تسهيل مهمة الجيش.

وبالنسبة لأهميته في الاقتصاد المحلّي، فلم تمكننا المصادر المتوفرة من تقدير ذلك، غير أنه بالاطلاع على ما ذكره الضابط (COYNÉ) في أولى تقارير التفتيش الفرنسيّة في فترة المعاهدة في ما يخص صادرات مزاب من المنسوجات الصوفية، سنجد أنّ قيمة ما تنتجه النساء المزابيّات من المنسوجات الصوفيّة في القرن التاسع عشر، تقدّر بما يقارب 70.000 قطعة/ سنويًّا، ثمن الواحدة يقدّر ب20 فرنك فرنسي، حيث كان آنذاك حوالي 7.000 امرأة مزابية تشتغل في النساجة في البيت، وتنتج المرأة الواحدة في المتوسط 10 قطع من المنسوجات سنويا، وإذا علمنا أن المزابيين يدخلون إلى مزاب ثلاثين ألف جزّة صوف/ سنويا، ثمن الواحدة 2.50 فرنك، وكل ثلاث إلى أربع جزات صوف كافية منها لإنتاج قطعة نسيج واحدة، سنجد أنّ النّساء المزابيّات في السبعينيات من القرن التاسع عشر (1879م) يُدخلن إلى مزاب ما يقارب 700.000 فرنك فرنسي سنويا."

وهذه القيمة تدل على وجود فائض في الإنتاج أدى إلى تصديره، وهذه هي الأهمية الثانية التي يشكلها النسيج، باعتباره سلعة تبادلية مع القبائل البدوية، فتتم مقايضته بسلع أخرى كالصوف والسّمن وغير ذلك من خيرات البادية، إلى جانب ذلك وفرت عملة نقدية للأهالي يتعاملون بها في تنمية رأس مالهم التّجاري الذي سينطلقون به في تجارتهم نحو التلّ، كما أن تمكن الأهالي من تغطية حاجة السوق المحلي رغم شدة الطلب عليه، الأمر الذي حقق لهم دخلا لا بأس به.

للنسيج أمثالا أيضا..

ومن المؤكّد أنّ كميّة العمل التي تنتجها النّساء في الأخير ليس نتاج جهد بدني فقط، فللقوّة الثّقافيّة والاجتماعيّة التي يحاط بها الاشتغال في النّسيج دور كبير في ذلك، وحين يقال في المثل المزابي "تِيِّيتَا نْتَشَّا تَسِّيلِيدْ أَغْلَانْ"، "ضربات أيدي النّساء في النّسيج هي التي بنت واد مزاب"، وفي آخر: "سِّيسْ أَغْرُومَنْسَنْ، سِّيسْ أَسَشَّا نُوغَرْمَنْسَنْ"، "منه خبزهم ومنه بناء مدينتهم"، "أَغْلَانْ يَشَّرْدْ سْتِرْسَالْ نُوزَطَّا دْ تِيرْسَالْ نْتِيرَسْتْ"، "بُني مزاب على عمودين: عمود المنسج و عمود رفع الماء من البئر... "تَاشَّا دِيغَرْسَانْ بْنَانْ إِيغَرْمَانْ"، وتسمية بني مزاب في القبائل المجاورة لها بـ"آتْ إِيعُوبَانْ" (أعبان هو لباس طويل يلفه الرّجل إلى ظهره، يعرف المزابيون وحدهم بصناعته لذلك يسمون به).

-بتصرف-

المصدر: دراسة جامعية "مقاربة سوسيولوجية للأدوار التقليدية للمرأة المزابيّة.." الباحثة ع.ن ص 109-113. جامعة غرداية.

شاركنا بتعليقك