إسهامات

وتتحقَّق للجزائر استعادة حريتها، وتنطلق السياسات بأشكالها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مجتهدة لرفض التبعية الأجنبية ومسايرة تطور المجتمع الجزائري. رغم التوجُّهات الأيديولوجية في دفع التنمية الشاملة حافظت الجزائر على مركز إشعاعها الديني والثقافي، وظهر ذلك في بناء المساجد، ونشر التعليم الديني وإدراج مقومات الأمة في مناهج التربية والتعليم، رغم بعض المحاولات اليائسة الغريبة عن الشعب الجزائري في أصلِه وفي معتقَدِه، والتي سخَّرت كل جهدها في بعْث تيار التغريب، وإبعاد مظاهر الأصالة الوطنية من المشهد السياسي والثقافي والجامعي.

تسامتْ مَصادرُ إشعاعنا    تُدعِّم خالصَ إيماننا

مساجد للهدْي في كل فجٍّ تنيرُ السَّبيلَ لأجيالنا

ونوَّه مفدي زكريا بالجزائريات الأصيلات اللاتي أنجبن للوطن مَن يحفظ قيمَه ويذود عن مقدساته.

كانت عوامل النهضة الفكرية بارزة لدى علماء الجزائر وشبابها وشباتها، والشاهد على ذلك تنظيم ملتقى الفكر الإسلامي السنوي فيها، وكان جامعًا لطاقات الفكر في العالم العربي والإسلامي، ويعود له فضل التنظير والتأسيس لفكرٍ سليمٍ أصيل.

وكانت شهادة مفدي زكريا بوزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية في حفظ كتاب الله، والمساجد، وتعاليم الدين الإسلامي أصيلةً؛ إذ يقول:

رعى الله في العاملين الوزاره أعادت لعلم الكتاب وقاره

جهاد الوزارة نورٌ وحقٌّ سما بالبناء، وأرسى جداره

وكم خلَّد الملتقى مهرجانا يوجِّه صدق الضمير حواره

وروح الأصالة تسمو بشعبٍ منابع إشراقهِ في الوزاره

ولعل من أبرز التأصيل الواجب الثناء على من أحسن لهذا الوطن، تأبينة الشاعر مفدي زكريا لسفير الجزائر في الصين مصطفى الفروخي-رحمه الله-:

أناجيك يا مصطفى في سَماك ويوم عرجت تشق السِّماك

بُعثت سفيرًا لبيكين لكن ذهبْتَ سفيرًا لأفق علاك

من مظاهر الوضع الأخلاقي

ذكر مفدي زكريا بعض مظاهر الزيغ والانحراف التي رآها مستفحلة لدى بعض الجزائريين بعد الاستقلال. وصف الانحلال الخلقي من تخنثٍ وشذوذٍ وتعاطٍ للمُسكرات والمخدرات، وغلاءِ المهور وتفضيلِ الزواج بالأجنبيات، وكذا التميع واللهف على المناصب والمجون والفجور. كما أظهر امتعاضه من انتشار النفايات والقاذورات وتلوث المحيط الخارجي للمدن، وفي كلا الإشارتين تذكير بقواعد الأخلاق والنظافة التي نصَّ عليها ديننا الحنيف، والتي من العار أن توجد في بلدٍ مثل الجزائر الذي شهد أعظم ثورة، وساير تاريخها كل محطات البشرية بطولةً وشهامةً ونبلًا.

وفي خضم هذا التنكُّر السفيه لمقوِّمات الأمة الجزائرية وتاريخها وبطولاتها وامتدادها للحضارة العربية والإسلامية، نورد ما ذكره الدكتور سعد الله:

«إنَّ ثورتنا قد جُرِّدت من قيَمها، وأصبحت شعارات جوفاء تُعلن في المناسبات»

إضافة إلى الانحرافات الأخلاقية، تفشَّت في الجزائر مظاهر الانحراف الفكري، وكانت وقتها عابرة للحدود والقارات، ومن بين المظاهر التي ذكرها مفدي زكريا، اعتبار صوت الأذان إزعاجًا، والإنابة إلى الله رجعية مقيتة، والإلحاد حرية فكرية؛ بل وجه من وجوه التحضُّر والتقدُّم، وشاعت في البلاد رزايا الخمور والمخدرات وفساد الفكر والأخلاق.

يقول مفدي زكريا:

وصَهْينَ صهيونُ أخلاقنا فَكَيَّفَنَا أن نكون رعايا

وهل يُحْزِن العتقُ مستعمِرًا وأخلاقنا في يديه سبايا

وكل هذه المظاهر هي استثناء عن القاعدة العامة التي بُني عليها قوام الشعب الجزائري، وفي ذلك يشيد مفدي زكريا بالشباب الجزائري الواعي والمؤمن بقضية وطنه وامتداد تاريخه وأصالة منبعه، وضارب عرض الحائط بكل أيديولوجية منحرفة وكل ضلالة غربية:

وأفلت من قفصِ الإِتِّهامْ شبابٌ أصيلٌ وفيُّ الذِّمامْ

شبابٌ تطهَّر فيه الضميرُ فأعرض عن شبهات الطغامْ

وأُشرب من نبعِ إسلامهِ وفلسفةِ الدِّين، روحَ النِّظامْ

ولم يتنكَّر لأمجادهِ وأجدادِه الخالدين العظامْ

-بتصرف-

المصدر: من كتاب ملحمة الجزائر: شرح تاريخي لإلياذة الجزائر لشاعر الثورة مفدي زكريا، سمير نور الدين دردور.

شاركنا بتعليقك