ولد الرائد جمال عام 1956م في قلب عاصمة فرنسا؛ مدينة النور "باريس"، حيث قضى فيها سنواته الأولى، ودرس المرحلة الابتدائية، وبعد ذلك عاد وعائلته إلى الجزائر العاصمة ليبدأ مرحلة جديدة في وسط مختلف عن سابقه، عُرف الفتى جمال منذ صغره بشغفه وولعه بالعلوم، وكانت أسئلته تحوم حول نشأة النجوم والسُّدُم والمجرات وتطور الكون ومصيره، وهكذا تشكلت بذور ميوله الأولى ومنافذه الفتيّة نحو المعرفة والبحث العلمي.
وكان يطالع في المكتبة القريبة من الحي الذي يقطن فيه "La bibliothèque minicipale" بميسوني " Meissonier"، وكانت الكتب المتوفرة حينها قديمة لكنها مثيرة ومليئة بشتى المعلومات في الفلك و الملاحة الفضائية.. فبدأ اهتمامه يتشكل وينمو بفضلها في العلوم عموما والكونية منها خصوصا.
خلال المرحلة المتوسطة التحق بثانوية فيكتور هوغو"Lycée Victor Hugo» _عمر راسم حاليا_ حيث كان يتم دمج الطورين آنذاك لفئات معينة كالمهاجرين والجالية الدولية والفرنسية، وكانت المدرسة تابعة لما يعرف ﺑ" L’office Français".
"والدتي فرنسية، ونشأت بفرنسا، ولم أكن أعرف اللغة العربية إطلاقا، لذا كان علي اللحاق بمدارس تدرّس باللغة الفرنسية، بعدما أصر والدي بأن نرجع للاستقرار بالجزائر".
واصل الطالب المجد دراسته بثانوية الإدريسي، حيث تم إغلاق مؤسسة فيكتور هيغو بمجرد وصوله إلى مرحلة الثانوية، ليعملوا على تحويل الطلبة إلى ثانوية ديكارت "Lycée Descartes "، وبدأ يتعود على نمط التعلم باللغة العربية بالرغم من بعض العراقيل والتحديات، وفي هذا السياق يقدّم الأستاذ جمال ميموني رأيه وتجربته في مسألة تعريب العلوم بعد تدرجه.
"أرى أنه من المهم تعريب جميع العلوم في الجامعة، وأنا شخصيا حاليا أدرّس طلبة الليسانس باللغة العربية، ولم أدرّس أبدا باللغة الفرنسية باستثناء العام الذي اشتغلت في جامعة أم البواقي بعد رجوعي من أمريكا، أما بالنسبة للدراسات العليا فأدرس باللغة الإنجليزية منذ 30 سنة، في كل جامعات العالم يدرسون الأطوار الأولى باللغة الوطنية، وفي التخصص ومرحلة البحوث فتكون باللغة الإنجليزية".
وخلال هذا الطور كان يدرسه أستاذ مادة الفيزياء الملقب بـ "أفوغادرو"، كان بارعا ومتقنا، ويطرح أفكاره بشكل مبدع ويسير، فكان دافعا لأن يحب الطالب المتطلع "جمال" مادة الفيزياء بشكل أكبر، ويجعل أسئلته حول هذا العلم تزداد وتتعمق.
كما أنه مرّ ببعض الظروف السلبية أيضا نوعا ما، كأن يطلب الأستاذ من الطلبة الاكتفاء بالفهم السطحي، أو فهم مقارب للظاهرة وغير حقيقي، كان يشكل عائقا له _حسب وصفه _ ويجعل الأمور محدودة أمامه، لكن من المؤكد أنه لم يكن لذلك آثار وخيمة بل الآن يتذكر ذلك بنوع من الطرفة اللطيفة.
"من وجهة نظري وبتأمل موضوعي لمسار التعليم في الجزائر، فإنني لا أرى أن مستوى التعليم تراجع مقارنة بالماضي كما يراه الأغلب بدافع نفسي، بل بالعكس أجده أكثر كفاءة، لأنه في الماضي كان متاحا للطالب الذي لازال في طور الدراسة الجامعية الأولى أن يلتحق لتدريس طلبة الثانوي، وهذا كان غير كاف، وقد تجد بعضهم غير مؤهل تماما لذلك، بالإضافة إلى أن الكثير من الأساتذة كانوا أجانب، وبغض النظر عن مستواهم المتخصص فإنه لا يجب أن ننسى عائق اللغة".
ختم مساره الأول الحافل بالتفوق والتميز وكذا المفعم بالتحديات بنيله لشهادة البكالوريا باستحقاق وجدارة عام 1973م، فكان من الأوائل في الثانوية وتحصل على الشهادة في عمر السادسة عشر.
رحلة التخصص ومسارات أخرى
انخرط الطالب جمال في دراسة الفيزياء النظرية والحصول على ما يسمى بدبلوم الدراسات العليا المعمقة DES والذي يعادل حاليا مستوى الماستر، فكان له ذلك بعد أربع سنوات من العمل الجاد والمتفاني عام 1977م.
عقب ذلك وفي نفس العام سافر إلى أمريكا بمنحة من الحكومة الجزائرية لاستكمال دراسته والتحضير لأطروحة الدكتوراه في نفس التخصص، وبجامعة بنسلفانيا " University Of Pennsylvania " بمدينة فيلادلفيا "Philadelphia" وهي من أعرق الجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية ومصنفة ضمن IVY League.
بدأتِ المرحلة الجديدة بمحور الدراسات اللغوية، وأتمّها الأستاذ جمال في شهرين عوض سنة كاملة، لنيل شهادة التوفل "TOEFL" في اللغة الإنجليزية بالنسبة المطلوبة والتي تسمح له بالالتحاق بالجامعة.
تجدر الإشارة بأنه كان يود المواصلة في مجال الفيزياء الفلكية، لكن لم يُقبل كون منحة الحكومة الجزائرية التي أرسل على أساسها كانت لدراسة الفيزياء النظرية، لم يكن بالعائق الكبير لأنه مع مرور الوقت تقارب التخصصان، وكان يدرس في ساعات إضافية بعض مقاييس الفيزياء الفلكية والتي لم تكن في تخصص الفيزياء النظرية.
تُوجت المرحلة بنجاح واستحقاق مع ما عرفتْ من عوائق، وتشرف الفيزيائي ميموني بشهادة الدكتوراه في فيزياء الجسيمات دون نووية، عام 1985م.
"استغرقت مني الدكتوراه وقتا طويلا نسبيا، هي تجربة لا تنسى، عمقت فيها معارفي، وزادت فيها تجربتي، رحلة علمية ونبع معرفي متجدد".
بالموازة مع أبحاث الأطروحة والتي امتدت لسنوات إضافية، كان طالب الدكتوراه جمال حينها ناشطا في العديد من المؤسسات والجمعيات، ولديه عمل متواصل بصفته رئيسا لاتحاد الطلبة المسلمين؛ والذي يُعنى بتنظيم لقاءات وأنشطة مع الجالية الإسلامية بأمريكا، كما خاض تجارب متعددة في المجال الخيري مع جمعيات أمريكية لمساعدة المحتاجين والفقراء، والبعض الآخر كان ضد العنصرية، وما إلى ذلك من القضايا الإنسانية والاجتماعية.
تقلد الأستاذ جمال عدة مناصب في هذا الصدد طيلة وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية وهي كالآتي:
1. رئيس جمعية الطلبة المسلمين بجامعة بانسلفانيا لعدد من السنوات، كما كان الأمين العام للمجلس الإسلامي لوادي ديلاوار (Islamic Council of Delaware Valley) الذي كان يضم حوالي 20 مركزا إسلاميا ومسجدا بالولايات: New Jersey, Pennsylvania, Delaware.
2. أسس مؤسستين للدعوة الإسلامية:
- مؤسسة الخدمات الإعلامية الإسلامية (IIS : Islamic Information Services)
- الدعوة عن طريق المراسلة البريدية (DBM : Daawah By Mail )
3. رئيس لجنة الإغاثة للاجئين الأفغان بفيلادلفيا، وتم تكريم جهود اللجنة من طرف رئيس بلدية فيلادلفيا نفسه.
4. عمل في الميدان الدعوي بين المعتقلين المسلمين في السجون الأمريكية، ويضيف البروفيسور جمال ميموني معلقا حول ذلك:
"البيئة الأمريكية بيئة مساعدة، دافعة ومحفزة نحو الإبداع، ولاحظت ذلك جليا بعد عودتي للجزائر؛ إذ وجدت صعوبات كثيرة للاستمرار في المبادرات الدعوية، الخيرية والإنسانية، فحولت اهتمامي مع مرور الوقت إلى الجانب العلمي ضمن إطار جمعية الشعرى لعلم الفلك".
"يُضفي العمل الميداني والتشاركي للإنسان خبرة حياتية ملهمة، وذات فوائد عديدة، هذا ما آمنت به وحاولت تجسيده خلال دراستي بأمريكا".
في أرض الوطن مجددا
عاد الدكتور جمال ميموني إلى أرض الجزائر في نفس سنة حصوله على شهادة الدكتوراه، ليشرع رحلته في عالم العطاء والتعليم وتبسيط العلوم، مارّا بعدة تجارب مميزة؛ متقلدا العديد من المهام؛ ومنتجا لأفكار ومشاريع خادمة طموحة، ليترصع مساره وككل مرة بعمل جبار وسعي دؤوب.
ألقى محاضرات عامة في المركز الجامعي بأم البواقي، وجهت آنذاك للجمهور بمختلف طبقاته، وقد عرفت اهتماما واستحسانا كبيرين، وحضور من مختلف الأجناس: فيتناميون، يمنيون، سوريون ومصريون، ومن هنا برزت فكرة تبسيط العلوم للعامة في مواضيع الفيزياء والفلك والعلوم وعلاقتها بالإيمان.
أخذ أيضا على عاتقه مهمة تكوين أساتذة في الفيزياء والجغرافيا، ونظم ندوات تشهد حضور 100 إلى 200 أستاذ، وبالتنسيق مع مديرية التربية، حول إمكان مشاركة العلم مع الطلبة وأساليب التبسيط وتحبيب تلك المواد العلمية لهم.
أشرف على تنظيم محاضرات بالخصوص في جامعات الوسط: جامعات منطقة القبائل بجاية، تيزي وزو.
تم استدعاؤه أيضا من مختلف لجان الأحياء في عدد من الولايات لتقديم مداخلات تثقيفية في مجال العلوم.
بالنسبة للتدريس الرسمي فقد عمل في كل من المدرسة العليا للأساتذة بأم البواقي، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، جامعة الإخوة منتوري بقسنطينة 1، وجامعة أدرار.
"همي ومصبُّ اهتمامي الأول، نشر الثقافة العلمية، وكيف يمكن أن يصبح العلم همٌّ مجتمعي يتشاركه كل الناس بمختلف طبقاتهم، يتبادلونه، ولأجله يعقدون جلساتهم، عندما يرتفع المستوى الجمعي للناس، وعندما ينتشر الوعي، حينها سيكون المجتمع في أعلى المراتب، وحينها فقط يمكن الحديث عن الإنتاج الحقيقي".
الحياة العلمية
1. نشر عددا من البحوث في مجلات علمية دولية في ميدان الفيزياء الجسيمية، الفيزياء الرياضية والفيزياء الفلكية.
2. عضو ممثل للجزائر بمكتب الشورى للمعهد الإفريقي للعلوم الرياضية (AIMS) بمدينة كاب تاون (Cape Town) بجنوب إفريقيا، وهو أرقى مركز تكوين في الفيزياء الرياضية في إفريقيا حاليا.
3. نائب رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك (AUASS).
4. مراسل للجزائر لدى الجمعية الفلكية الفرنسية (SAF: Société Astronomique de France) وهي أكبر وأعرق جمعية فلكية فرنسية بل أوروبية.
5. عضو المكتب التنفيذي للمشروع الإسلامي لرصد الأهلة (Project The Islamic Crescents Observation :ICOP (التابع للمركز الدولي للفلك (IAC: International Astronomical Center).
6. عضو مؤسس ورئيس جمعية الشعرى لعلم الفلك والتي تهتم بتبسيط العلوم والتي تنشط منذ أكثر من عشرين سنة.
7. مؤلف كتاب تبسيطي في تاريخ العلوم الكونية مع الدكتور نضال قسوم : قصة الكون، من التصورات البدائية إلى الانفجار العظيم، عرف أربع طبعات، ثلاثة جزائرية وواحدة لبنانية.
8. مؤلف بالاشتراك مع مجموعة من الباحثين لكتاب L’islam et la science.
9. مهتم بقضايا العلم والمجتمع ونشر له عدد من مقالات تحليلية مطولة، خاصة في جريدة Le Quotidien d’Oran.
نشاطات أخرى
-بتصرف-
المصدر: موقع مؤسسة وسام العالم الجزائري
شاركنا بتعليقك