إسهامات

يثور بين الفينة والأخرى جدل حاد بين اتجاهات فكرية وسياسية حول موقف الإسلام من حقوق الإنسان بين قائل بتبني الإسلام لهذه الحقوق ومنكر لذلك. وكثيرا ما يأخذ الجدال شكل سجال عقيم، فهل تبنى الإسلام حقوق الإنسان؟.

أسس الإسلام نظرته إلى الإنسان على ركيزة جوهرية هي فرادة الإنسان بين مخلوقات الله عز وجل لكونه ذاتا عارفة ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا.. البقرة: 31، وعلى موقعه المتميز في المعادلة الكونية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً.. البقرة: 30، ومكانته الخاصة ﴿وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ ءَلاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَىا وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ البقرة: 34.

وقد انطوت فلسفته العامة على:

 أوّلًا: إرساء وحفظ كامل حقوق الإنسان من خلال منطلقه الرئيسي وهو احترام النوع الإنساني، وتكريمه الواضح لبني الإنسان ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ...

ثانياً: مساواته بين البشر جميعا في أصل النشأة والخلق ﴿يَآ أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىا وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا.. الحجرات: 13.

ثالثًا: ربطه قيمة الفرد بالعمل الذي يقوم به لا بشيء آخر من لون أو عرق أو جنس ﴿.. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ .. الحجرات: 13.

وقد تعددت أشكال تكريم الإسلام للإنسان من جعل الكون بما فيه من قوى طبيعية ومخلوقات نباتية وحيوانية، تحت تصرّفه، فاستخدم مفردة "سَخَّرَهُ" التي وردت في القرآن الكريم للدلالة على طبيعة العلاقة بين الطرفين ومادة لفعله، ومن جعل خلافة الإنسان في الأرض منطلق بناء شخصية إنسانية قوية وقادرة على تمكين قيم الحق والعدل والمساواة والسلام والخير ومواجهة الباطل وحماية الأرض من الإفساد، ومن اعتبار توفير ظروف معيشية تناسب كرامته الإنسانية واجبا على أولي الأمر تحقيقه في حدود ما اصطلح على تسميته "بالكفاية"، ويعني أن يتوفر له كل ما يكفيه حتى لا تشغله مطالب معيشته عن واجبات "الاستخلاف" المحددة بإعمار الكون وإحقاق الحق ومحاربة الباطل ضمانة لحريته، حيث قدمها على إقامة الدين ذاته.

قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد": "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا". وهذا لا يتحقق من دون حكم صالح وسيادة العدل والمساواة وما تستدعيه من قيم الحرية والكرامة التي تفتح باب الإبداع والإنتاج.

وأما النقطة المركزية في موقف الإسلام من حقوق الإنسان، فتكمن في الإقرار "بفردية" حقوق الإنسان وواجباته ومسؤوليته عن ذاته وأفعاله التي عكستها رؤيته للعمل الإنساني: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى النجم: 39، 40، و﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، و﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا.

وحماية خصوصياته مثل منع التجسس أو الاغتياب ﴿..وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا.. الحجرات: 12، أو الاستهزاء والتنابز ﴿..وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالاَلْقَابِ بِيسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الحجرات: 11، أو الافتئات على الآخرين: ﴿وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً اَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، أو التطفل على الآخرين: ﴿يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىا تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىآ أَهْلِهَا ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ النور: 24، واحترام خصوصيات الآخرين: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىا يُوذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ .. النور: 28، وحماية أموال الفرد بالحض على كتابة الدّين، وتسجيل العقود، وتحريم أكل حقوق الآخرين: ﴿وَلاَ تَاكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُواْ فَرِيقًا مِّنَ اَمْوَالِ النَّاسِ بِالاِثْمِ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة: 188.

فالدين من منظور إسلامي وُجد لحفظ كرامة الإنسان، وقد تجلى ذلك من نظرة الإسلام إلى الحلال والحرام، حيث اعتبر الأصل في الأشياء هو الإباحة، فأسقط ما عرف في بعض الحضارات بالخطيئة الأصلية، وربط التحريم بالضرر الذي ينجم عن العمل، وفتح التجربة الإنسانية على الإبداع والخلق، وأعطى الإنسان حرية الاختيار والتصرف. وقد دل على ذلك من خلال قرنه الحكمة التي هي ثمرة الإبداع الإنساني، بالكتاب الذي هو الرسالة الإلهية في 10 آيات قرآنية، أي جمع الوضعية والرسالية في موقف إنساني واحد، مثل قوله: ﴿..يَتْلُو عَلَيْكُمُ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.. البقرة: 151، وجعلهما جزءا من عالم الإنسان من دون أن يفصل بينهما أو يفضل أحدهما على الآخر.

وقد كرس الإسلام حقوق الانسان بإقراره بحرية الاعتقاد: ﴿لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .. البقرة: 256 و﴿..اَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىا يَكُونُوا مُومِنِينَ يونس: 99، وبتمكين الإنسان من ممارستها من خلال تحريره من الخوف على "العُمر" و"الرزق" حتى لا يستسلم للتهديد والابتزاز بإخراجهما من دائرة القرار الإنساني: ﴿اِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ ..﴾ التوبة: 116 و﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الذاريات: 58، وربط الدعوة إليه بالإقناع وبالطرق السلمية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبـِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ.. النحل: 125 و﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ الغاشية: 22، ومن خلال تحريم التنازل عن هذه الحقوق ومعاقبة المظلوم لقبوله بالظلم والاستضعاف: ﴿اِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الاَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا النساء: 97، والعفو عن العاجز موضوعيا: ﴿اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَّعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا النساء: 98، 99.

وقد أخذ البعض على الإسلام ما اعتبره تقديم الذكر على الأنثى في الحقوق، ولكن التدقيق في الأمر يوضح عدم دقة هذا الاستنتاج، فالمرأة في نظره مساوية للرجل في آدميته، ومكلفة مثله بكل العبادات دون تمييز، ودورها تكاملي مع دوره في ضوء اعتباره الأسرةَ الوحدةَ الأساسية للمجتمع وتوزيعه الأدوار داخلها بما يحقق هذا التكامل.

غير أن حرص الإسلام على حقوق الإنسان لا يعني بأي حال قبوله بكل ما ورد في الإعلانات والمواثيق الدولية أو الإقليمية من مواقف أو تصورات، ذلك أن ما صدر إلى الآن من إعلانات أو مواثيق لا يعكس رؤى جماعية/ كونية، حيث إن صدورها قد اقترن إما بلحظة سياسية، وهذا جعلها تعبر عن وجهة نظر واحدة، كما هو حال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدره الطرف المنتصر في الحرب العالمية الثانية، والذي تجاهل وهمش ثقافات ورؤى الشعوب غير الغربية أثناء صياغته، أو في إطار رد فعل على تجاهل حصل، أو خوف على مصالح فئوية أو عرقية أو دينية، مثل "حقوق الإنسان في الدول النامية" الذي وضعه المؤتمر الذي انعقد في العاصمة الأفغانية كابل ما بين 12 و24 مايو/أيار 1964 والذي (المؤتمر) أجمع على "أن المفهوم المجرد لحقوق الإنسان كما ترددها المواثيق الأوروبية يمثل على المستوى التطبيقي ترفاً لا تستطيع أن تحققه إلا الدول المتقدمة".

واعتبر أن الدول النامية بحاجة إلى دولة راعية ومسؤولة توظف مواردها المادية والبشرية لتحقيق التنمية اللازمة ليكون الإنسان إنسانا (الإنسان لا يكون إنسانا إذا أخضعه الفقر والمرض والجهل لما تخضع له البهائم من قوانين غريزية)، والدولة الراعية المسؤولة لا بد لها من أن تتمتع بالسلطات اللازمة للوفاء بتلك المسؤولية حتى لو أدى ذلك إلى المساس بما يسمى حقوق الإنسان، وهذا قلص من عالمية هذه الإعلانات والمواثيق وجعلها عرضة للنقد والتجاهل والرفض.

لذا لا يمكن إنكار تعارض بعض ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حول العلاقات والحقوق مع تصورات الإسلام لها وموقفه منها نتيجة التباين الثقافي والاجتماعي، مثل قواعد الزواج والأسرة حيث وضع لذلك قيودا وشروطا تتناسب مع نظرته إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية والإنسانية، مثل عدم قبول زواج المسلمة من غير المسلم، ورفضه تغيير الدين، لكن -وعلى عكس ما هو شائع- من دون أن يحدد عقوبة دنيوية (حدًّا) للردة ما لم يقترن الارتداد عن الدين بمحاربة الدين والدعوة إلى الخروج عليه: ﴿إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا اَنْ يُّقَتَّلُواْ أَو يُصَلَّبُواْ أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ اَو يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ.. المائدة: 33. أما اذا لم تحصل الحرابة فالعقوبة أخروية فقط: ﴿.. وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنيَا وَالاَخِرَةِ .. البقرة: 217.

وهذا يطرح ضرورة إعادة النظر في إعلانات حقوق الإنسان وصياغتها بنظرة عالمية مبنية على التوافق، وأخذ وجهات نظر وتصورات الثقافات والشعوب لهذه الحقوق، وألا تُفرض قيم حضارة على حضارة أخرى من جهة، وأن يدقق المسلمون في رؤاهم وتصوراتهم لحقوق الإنسان آخذين النص القرآني وروح العصر بعين الاعتبار.

فالتجربة الحضارية الإسلامية توقفت عن العطاء ودخلت في مرحلة انحطاط ممتدة، مما جعل نظرتها إلى ذاتها وإلى العالم خليطا من عقدة نقص وخوف وعدم يقين وتخلف حضاري عميق وغربة عن مفاهيم العدل والمساواة والشورى التي دعاهم دينهم للعمل من أجلها، والتي طواها الاستبداد والحكم السلطاني الذي عرفته التجربة الحضارية الإسلامية في ظل ما سمي "الملك العضوض".

-بتصرف-

المصدر: موقع شبكة الجزيرة

شاركنا بتعليقك